الموقع الرسمي لجروب الكاتبة منال

للبحث

صفحة جديدة 1

ملحوظة هامة

أكتب أسم أي منشور في البحث وستجده في الحال



لم يصدق عينيه عندما وجد نفسه خارجا ..
كان قد قضي بضع ساعات تحت أكوام الهدم لكنهم عندما أخرجوه بشق الأنفاس وجدوه بحالة معقولة .. رغم كبر سنه لم تزد إصاباته على بضعة رضوض وخدوش سطحية في أغلبها ، عدا خدش واحد عميق أمتد بطول ذراعه الأيسر وتم تضميده بسرعة وبطريقة بدائية من قبل فرقة الإنقاذ التي لم تكن تحمل سوي معدات طبية بدائية ..
كان الدمار بالخارج فظيعا .. فظيعا لدرجة تجعلك بمنتهي البساطة تعجز عن تصور أن كل هذا حقيقي بالفعل ..
الحي بأكمله تحول لمساحة هائلة من الدمار والخراب والهدم .. بيوت , مدارس , بيعة صغيرة , حضانات ومدارس أطفال , فرع لأحد المطاعم ، مطبعة , ورش صغيرة , حتى المساجد .. حتى المساجد لم تفلت من قنابل وراجمات الظالمين الذين يفترض أن يكونوا مسلمين !!
المباني المهدمة كانت مكومة في أشكال مثيرة للدهشة .. لماذا تكون للمباني المتهدمة هذه الشخصية الكاسحة !
إنك عندما تقف أمام مبني مهدم تشعر أن له شخصية كاملة خاصة به .. لعله بين كل الجمادات ليس هناك كائن غير حي يملك شخصية خاصة به سوي الجبال والمباني المهدمة !
كان العجوز على مقربة من بيته بالفعل .. وكان البيت أمام عينيه عبارة عن كومة من الحديد والطوب والخشب !
هل يمكن أن يكون الطيار الذي ألقي قنبلته أو صاروخه على هذا البيت الصغير يعلم شيء عما جري فيه طوال سبعين عاما !
هل عرف أن جده مات في هذا البيت مقهورا بعد أن أنتهي من بناءه بشهور قليلة .. قهره المرض والكبر والحزن على أولاده الثلاثة الذين ماتوا في حروب طويلة لا نهاية لها لنصرة زعماء لا يشبعون من دم شعوبهم .. فإما أراقوه هم أو تركوا للأعداء القيام هذه المهمة المحببة !

مات الجد حزينا مقهورا وهو يري حوله أرامل يلتحفن السواد الذي يغطي أجسادهن وأرواحهن بغشاء من الحزن والكآبة والسواد المقيم .. وأطفال صغار عاجزين عن إعالة أنفسهم معلقين في رقاب نسوة ضعفاء وجد عجوز مهدم !
هل سمع الطيار أناتهم وهم يبحثون عن الطعام .. هل سمع بكاء الصغار منهم حين يجن عليهم الليل دون كسرة خبز أو شربة لبن ؟!
هل رآهم وهم يسعون بأسمالهم يعملون هنا وهناك تاركين طفولتهم حبيسة جدران منزلهم .. أتراه علم أنهم كانوا يبيتون الليلة وراء الليلة على الطوي ولولا جدران البيت لناموا في العراء ؟!
هل علم كل ذلك .. لو علم شيء من ذلك لما هان عليه أن يوجه صاروخه نحو قلب بيت تحمل من الهم أكثر مما تحملت قلوب من يسكنونه من البشر حتى ران الحزن على جدرانه وناءت أعمدته بالحرمان !
لا حول ولا قوة إلا بالله .. حتى الحجارة لم تسلم من ظلمهم ؟!
فرقة الإنقاذ بعد إخراجه تركته بجوار بقايا منزله حينما أطمأنت لحالته الصحية وأخذوا يهرولون هنا وهناك بحثا عن مزيد من الناجين ولكنهم قبل أن يبتعدوا أعطوه كيسا صغيرا يحوي قطع خبز ولا شيء بعد ذلك .. كان جائعا رغم كل شيء !
حتى المساجد يا كفرة ؟َ! أعوذ بالله
فتح الكيس وأخرج منه قطعة خبز .. كان جائعا رغم حزنه وتعبه وآلامه التي لا يعرف لها موضع محدد بالضبط
وعلى كثب من حطام منزله المكوم فوق بعضه كامرأة ثكلي متكومة تبكي وليدها جلس واضعا الكيس بين ركبتيه .. قمة الحزن والألم تسبب الجوع غالبا !
أمسك بقطعة الخبز وقلبها بين أصابعه .. على سطحها رأي خيالات غريبة ... رأي أمه بثوبها الأسود وبوجهها الذي أنطبع عليه حزن أبدي لا يتزحزح وهى تضمه إليها وتربت على رأسه مقبلة بوجهها الطيب الحزين يديه الصغيرتين اللتين تشققتا من العمل الشاق ودمعة عصية تتحرك في زاوية عينها فتكبتها ببسمة أكثر حزنا من الدموع ذاتها ..
وعندما تلاشت صورة أمه رأي مكانها صورة جده وهو يحتضر .. في غرفته الكبيرة المظلمة .. غرفته التي طالما أحبها بسريرها ذو العواميد النحاسية اللامعة ولمبة الجاز العتيدة التي تشع ظلاما في المكان أكثر مما تشع من النور .. جده بشحوبه الدائم الذي لم يري وجهه أبدا بدونه ..
وتدريجيا تلاشت صورة جده الشاحب وهو يتحدث بصوته المتعب المجهد الخافت .. مفسحة المجال لوجه أخته المرحومة " سجي " التي ماتت في سن السادسة تاركة إياه وحيدا وهي سلوته الوحيدة في الحياة الجافة المترعة بالحرمان والقسوة والحزن ..
كان العجوز يتأمل صورة " سجي " العزيزة على وجه قطعة الخبز عندما شعر بحركة واهنة بجواره ..
فنظر إلى يساره ليجد قطة صغيرة ذات لون أبيض مغبر بالتراب تتسمح بجانب ساقه بوهن .. كانت قطة كبيرة لكنها بالغة النحافة حتى أنه بالإمكان عد عظامها البارزة عظمة عظمة ..
نظر العجوز مليا إلى القطة النحيفة الجائعة .. ثم أمسك بقطعة الخبز ونقلها إلى يده اليسري ..
وقربها من فم القطة التي التقطتها بنهم .. دفع العجوز بقطة الخبز في فم القطة ورأي وجه أخته يبتسم له للمرة الأخيرة وهو يغيب في فم القطة !!!!!!
بقلم : منال عبد الحميد
من كتاب ( أنهار محرمة ) لفريق القلم الحر



الفلسفة الشعبية المصرية الأصيلة تقوم على عدد من النظريات أهمها نظرية ( أديني عمر وأرميني البحر ) ونظرية ( زينا زي الناس ) و ( أشمعنا إحنا يعني من دون الناس ) .. وهذه كلها نظريات فلسفية جميلة توصل إليها المصريون ، الذين هم أقدم شعوب الأرض وأكثرها غلباً وشقاء ، بعد سنوات طويلة من التعب والبهدلة والمرمطة التاريخية المحترمة التي تؤهلهم لنيل لقب ( بطل العالم في الغلب والهم والغم والنكد )

" عمر " كان موظف مصري بسيط من أسلاف الفراعنة والفلاح الفصيح  والفلاحين المغلوبين على أمرهم وبائعات الفجل والجرجير المصفر المصرات على أنه ورور !
وكان ل" عمر " زوجة مصرية طيبة مخلصة هي صورة طبق الأصل لكل الزوجات المصريات الطيبات المخلصات في كل زمان ومكان .. مسلمة تؤدي الفروض وتصوم رمضان وتتمني أن تعيش حتى تحج البيت وتعود من الحجاز وفي يدها حقيبة سوداء كبيرة محملة بالطرح البيضاء وزجاجات الروائح الصغيرة ذات الرائحة القوية لإهدائها لشقيقاتها وبنات شقيقاتها .. أما الذكور فيكفيهم الطواقي البيضاء المثقبة .. وكترت عليهم في الحقيقة !
بالإضافة إلى ذلك كانت مدام " عمر " هذه تجمع في فلسفتها كل المسلمات والحكم المصرية الخالصة التي لا يجور الزمان عليها !
وهكذا جاء عيد ( شم النسيم ) وشم النسيم عند المصريين ليس شم روائح الزهور والتمتع برؤية الأوراق الخضراء النامية المبهجة والتنزه وسط المروج الخضراء .. بل يعني شم روائح البصل الأخضر والفسيخ ، والتمتع برؤية البيض الملون المضروب بالكركديه والبصل والأقلام الفلوماستر أحياناً والتنزه وسط الطماطم والخيار والشلولو غالباً !
وبمجرد أن أشتمت مدام " عمر " أول تباشير الربيع ولاحظت أن جارتها المسيحية " جاكلين " أم الولد والبنت بدأت في تخزين البيض استعدادا لصنع الكيك من أجل عيد القيامة واحتفالا بانتهاء صوم الزيت الطويل حتى وضعت عصابتها الرمادية على رأسها وذهبت إلى زوجها وصاحت في وجهه دون مقدمات :
" هتجيب لنا الفسيخ أمتي إن شاء الله ؟! "
روع " عمر " المسكين الذي كان جالساً على طرابيزة السفرة فارداً أمامه فرخ ورق فلوسكاب أخذاً في حساب ميزانية الشهر المهبب الذي لا يبدو له نهاية !
فزع " عمر " وكاد يرد على زوجته رد بارد من ردوده المثلجة التي سيكون لها الفضل في إصابة زوجته بالشلل قريباً بإذن الله .. ولكنه رفع عينيه إليها وتفرس فيها فوجدها قد اتخذت وضع قتالي ممتاز جدير ببروسلي شخصياً ، ولو أن " بروسلي " لم يكن لديه الشجاعة الكافية للزواج من امرأة مثل مدام " عمر " ، وقد وضعت على رأسها عصابتها الرمادية التي تعني في عرفهما الزوجي استعدادها للردح حتى آخر حبل صوتي في حنجرتها !
وهكذا وجد " عمر " نفسه في ورطة .. فالفسيخ قد أرتفع ثمنه كثيراً بسبب الظروف السيئة التي تمر بها مصر .. إضافة إلى أن ميزانيته قد خرمت هذا الشهر بالذات بسبب مرض الولد الصغير باللوز والتهاب الحلق الذي كلفه أكثر من مائتي جنيه لعلاجه .. ويبدو أن مرتب إبريل كشهر إبريل نفسه مجرد كذبة !
المصيبة الحقيقية كانت  في حالات التسمم الرهيبة التي حدثت لبعض جيرانهم العام الماضي وكادت تودي بحياة طفلين من أطفال السيد " سيد عبد الحميد " أقدم موظف وسط قاطني العمارة وأثقلهم دماً .. وكان ذلك بفضل الفسيخ وسمومه الكيماوية التي لا تباري !
ولكن في كل الحالات لم يكن أمام السيد " عمر " سوي تلبية مطالب زوجته مدام " عمر " .. لأنه ببساطة يعرف أنه إذا تقاعس عن تنفيذ أمرها وشراء الفسيخ لها فإن الموت بالتسمم سيكون أعز أمانيه لبقية حياته !
وهكذا مرة ثانية وبطيبة الزوج المصري الغلبان حينما تتحكم فيه زوجته وتعمل منه شرابة خرج ممتازة صالحة للتصدير إلى الموطن الأصلي لشرابات الخرج ، أرتدي السيد " عمر " قميص وبنطلون ، أول قميص وبنطلون وقعا تحت يده ، وخرج إلى مكان قريب يعرفه جيداً وأبتاع ثلاثة كيلو جرام من الفسيخ وماء الملوحة الأصفر الذي يصيب بالاشمئزاز .. وكان هذا أقل قدر يمكن أن تقبل به مدام " عمر " !
............................
وجاء يوم عيد شم النسيم واستيقظ الأولاد الثلاثة مبكراً .. وأسرعوا يتسابقون أيهم يستعمل الحمام أولاً وانطلقت صرخاتهم في البيت حتى أحالته إلى معسكر للمجاذيب وليس بيت موظف بسيط في الساعة السادسة والنصف صباحاً !
وطبعاً استيقاظ الأولاد المبكر كان له حكمة لا يعلمها إلا الراسخون في العلم .. فصحوهم المبكر يعني أن ينتهوا من الاغتسال والإفطار والاستعداد للخروج مبكراً جداً واللحاق بالحدائق وهى ما تزال بكر منداة بقطرات الندي الأولي ونوال شرف أن تكون عائلتهم الكريمة صاحبة السبق في إلقاء قشور البصل والبرتقال واللب وعظام الفسيخ وأوراق الحلوى في كل أنحاء الحديقة المسكينة التي لا تملك لساناً تدافع به عن نفسها مثل جدهم الفلاح الفصيح !ّ
وعلى صوت الصرخات استيقظ السيد " عمر " مفزوعاً ليجد ولداه يتدافعان بشراسة على باب الحمام الذي يكاد ينهار تحت ثقلهما .. بينما وقفت أختهما الصغيرة منكوشة الشعر تبتسم بفمهما الأترم في سعادة ليس لها أي مبرر !
وهكذا قام الأب بالواجب القومي الذي لا يقره عليه أي خبير تربوي متأنق  ، لا يفهم حرفاً في التربية ، فكال للولد الكبير لكمة في لغده السمين ثم جذب أخاه من شعره ودفعه جانباً .. ودخل السيد " عمر " إلى الحمام ليفك عن نفسه ويعبر عن رأيه الحقيقي في زوجته وأولاده !
وبعد دقائق خرج السيد " عمر " من الحمام ليجد الأولاد وقد ارتدوا ملابسهم ، وزوجته قامت بعمل لم تقم به منذ عدة أشهر ، وهو أنها جلست أمام التسريحة ولغمطت خلقتها بالأحمر والأخضر والأصفر والبنفسجي بشكل جعلها تشبه محاربي الهنود الحمر في الفيلم الذي شاهده العام الماضي ولم يعد يتذكر اسمه !
ولكن لم يكن المطلوب من السيد " عمر " تذكر اسم الفيلم بتاع الهنود ولكن كان المطلوب منه على وجه السرعة هو الانتهاء من الإفطار وسحب العائلة الكريمة على احدي الحدائق ليستمتعوا بعيد الربيع وشم النسيم .. أقصد عيد شم الفسيخ !
.............................
وخرجت العائلة الكريمة لتجد الشارع هادئاً ساكناً ليس فيه صريخ ابن يومين .. ويبدو أن شعب مصر كلها قد أصابه العقل على كبر ما عدا السيد " عمر " وزوجة السيد " عمر " وأولاد السيد " عمر " !
في الحقيقة أن " عمر " لم يكن سعيداً على الإطلاق فبالأمس قرأ مقال في جريدة الأهرام بمناسبة عيد شم النسيم وقد تحدث كاتبه عن أعراض التسمم التي يسببها الفسيخ والأسماك المملحة كالرنجة والملوحة .. والحقيقة أن كاتب المقال قد أسرف على نفسه وعلى القراء في تخويف الناس من الفسيخ .. لدرجة أنه من المفروض أن تقوم المخابرات العامة المصرية بضمه إلى صفوفها وتدريبه على أساليب التخفي وتغيير الملامح ليتسن له الهروب من مطاردة تجار الفسيخ والأسماك له !
ولكن الحمد لله أن تجار الفسيخ لا يقرئون الأهرام ولا حتى روزاليوسف والحمد لله !
ولكن رغم كل شيء فإن هذا المقال قد زرع بذرة شيء أسود ،ليكن خوف أو تشاؤم ، في نفس السيد " عمر " وجعله لا يحس بالبهجة وهو سائر وسط أسرته حاملاً كيس الفسيخ والبصل وهو يشعر كأنه يحمل في يده قنبلة نووية من التي تثير رعب الأمريكان اسم الله على مقامهم !
...........................
ووصلت الأسرة السعيدة إلى الحديقة لتجد الحارس على الباب الخارجي يفرك عينيه وينظر إليهم بدهشة عارمة وعيناه تقول بوضوح :
" حد يجي دلوقتي يا ولاد المجنونة " !
ولكن ميعاد العمل في الحديقة كان قد بدأ مما يعني أنه لا يستطيع منعهم من الدخول .. والحقيقة إن الوزارة المسئولة عن الحدائق في مصر ، وليس مهماًُ أي واحدة فيهم ، لم تضع في حسبانها وهى تحدد مواعيد العمل الرسمية في الحدائق والمتنزهات الحكومية المصرية وجود مخلوقات على شاكلة مدام " عمر " في الأراضي المصرية .. وإلا كانت قد غيرت مواعيد العمل الرسمية وجعلتها من منتصف الليل حتى الرابعة صباحاً !
ودخلت أسرة السيد " عمر " إلى الحديقة وبدأت في ممارسة طقوسها الربيعية المقدسة !
في البداية سارت الأسرة وسط الأشجار وأحواض الزهور الحمراء والصفراء والبيضاء الصغيرة المنمقة .. ومن جانبها أخذت الأزهار نفساً طويلاً واستعدت للصراخ والولولة ، لو كان هذا في إمكانها ، والاستنجاد بأمة لا إله إلا الله من أطفال السيد " عمر " الثلاثة الذين أخذوا يقطعون زهرة ، ولابد أن يقطعوا ، من كل حوض زهور يمر في طريقهم بدون أي لزوم !
وقد حاول السيد " عمر " أن يزجر الأولاد ويمنعهم من تقطيع الأزهار والورود ولكن الأم الحنون زمجرت في وجهه ثم قالت له بتناحة :
" خلى الولاد يتبسطوا "
ومن أجل أن يتبسط الأولاد تركت الأم الحبل لهم على الغارب ليقطعوا ويهرسوا ويمزقوا كل ما يجدوه أمامهم .. فنحن نعتبر أن منع الأطفال من التدمير أو التخريب هو كسر لخواطرهم الرقيقة !
وبعد لأي ، وكأنهم يبحثون عن إبرة في كوم إبر ، وجدت الأسرة السعيدة مكاناً مناسباً لجلوس عظمتهم .. فأخرجت الأم الملاية الصغيرة التي أحضرتها من أجل الجلوس عليها وفرشتها على الأرض ، ثم تناولت الكيس من الأب وتربعت على الملاية بعد أن خلعت الشبشب ووضعته جانباً بحرص وأخذت الأم ، بعد أن سمت باسم الله الرحمن الرحيم ، تخرج خيرات الله المكدسة في الكيس وتضعها أمامها .. أكوام من البصل الأخضر بعروشه اللينة الريانة الجميلة ، خيار ، طماطم ، جزر ، جرجير ، حلبة خضراء لا أعرف من أين أتوا بها بالضبط ، وأخيراً سيد الكل وتاج رأس إخوته .. الفسيخ الذي وصلت رائحته إلى البيت الأبيض وجعلت الأخ " أوباما " يتقلب في نومه ويستيقظ فجأة وخياشيمه متمددة ثم يزغد الأخت " ميشيل " النائمة كاللوح بجواره ويقول لها :
" أيه الريحة دي يا بت يا ميشيل ؟! "
فترد عليه وهي تتثاءب :
" دا الفسيخ يا مدهول .. شفت السيد " عمر " جاب للعيال الفسيخ والبصل ومهنيهم .. مش زيك يا جلدة يا قيحة ! "

وبعيداً عن الأخ " أوباما " وحرمه السيدة " ميشيل " وخناقتهما بسبب فسيخ السيد " عمر " ومدام السيد " عمر " فإن الفسيخ هذا العام كانت له رائحة نفاذة أكثر من أي عام مضي !
شم السيد " عمر " الفسيخ جيداً ، فرغم إنه هو بيده اللي عايزة قطعها الذي أشتراه ، لكنه لم يتنبه لمدي نفاذ رائحته هكذا إلا الآن !
توجس " عمر " خيفة وقال للأم محاولاً استمالتها إلى رأيه :
" مش حاسة إن رائحة الفسيخ غريبة شوية ؟! "
فنظرت إليه زوجته التي كانت قد بدأت في تقشير البصل بالفعل وأجابت بسخرية :
" غريبة إزاي يعني ؟! زفرة ! "
طبعاً كانت الرائحة زفرة .. إذا لم يكن الفسيخ زفر فما الذي سيكون كذلك ؟!
طبعاً كانت الزوجة تمزح ولكن ليس هذا ما قصده الزوج .. فالفسيخ بالفعل كانت له رائحة نفاذة تختلط برائحة أخري غريبة تشبه رائحة الماء الآسن بدون أي مبالغة في التشبيه .
ولكن ملاحظة الزوج لم تلق آذانا صاغية من الزوجة التي انهمكت في الإعداد للوجبة الربيعية المقدسة دون أدني اهتمام بملاحظة الزوج العابرة .. ولكن السيد " عمر " ، وقد تذكر المقال المهبب الذي قرأه بالأمس ، عاد يلح على زوجته في عدم تناول هذا الفسيخ :
" طب بصي بلاش ناكله ونجيب غيره ! "
" يا عم وليه التكاليف دي .. ما هو الفسيخ حلو أهو ! "
" يا وليه أنا متووهوش من إمبارح .. بلاش منه الفسيخ ده ليكون مسموم ! "
" يا عم زينا ذي الناس .. هي جت علينا إحنا يعني .. ما كل الناس بتاكل فسيخ وما جرالهاش حاجة .. أهو اللي يجرا على الناس يجرا علينا .. "
وبهذه الدفقة من الحكم الشعبية البليغة انتهت المناقشة وبدأت الأسرة السعيدة ، حتى الآن ، في التهام الفسيخ وتوابعه  !
............................
بعد الظهر بقليل عادت أسرة السيد " عمر " إلى شقتها الصغيرة .. كان الخمسة متخمين بالفسيخ والبصل والحلوى والبرتقال واللب والسوداني .. والحق أن أولاد السيد " عمر " الثلاثة حطموا كل الأرقام القياسية التي حققها ، بعد طول كفاح ، أبطال العالم في الفجعة والشراهة .. فهم لم يتركوا شيئاً يؤكل ، أو يشبه شيئاً آخر هذا شأنه ، إلا أكلوه .. حتى إن الأب خشي أن يقوموا باقتلاع حشائش الحديقة وأزهارها وأكلها !
ولكنهم ، والحمد لله ، لم يجدوا ضرورة للقيام بذلك
وبمجرد أن وطأت أقدامهم داخل الشقة حتى أسرع كل منهم إلى فراشه وتسطح فوقه ونام كالقتيل حتى غربت الشمس تماماً !
..................
في حوالي السابعة مساء أستيقظ الزوج السيد " عمر " من نومه .. كانت الغرفة مظلمة تماماً والنوافذ مغلقة وزوجته تغط في النوم بجواره ..
الغريب أن السيد " عمر " كان يحس بآلام غريبة في جميع أجزاء جسده .. خاصة في كتفيه وأعلي جسده كما كان حلقه يؤلمه على خفيف .. تحرك السيد " عمر " وغادر الفراش وقد قرر أن ما يعانيه من آلام ليس له سبب إلا نومته الغبية الخاطئة الملتوية على الفراش !
خرج الأب من غرفة نومه ليجد الصالة غارقة في الظلام الدامس بشكل أشعره أنهم في منتصف الليل وليس قبل آذان العشاء بنصف ساعة ..
توجه السيد " عمر " نحو غرفة الأولاد وفتح الباب .. فوجد الولدين نائمين كالخرتيت الشبعان ولكن البنت كانت مستيقظة !
كانت البنت مستيقظة وجالسة على فراشها بشكل غريب .. أقترب الأب منها بعد أن أضاء النور فوجدها جالسة في فراشها ورأسها ملتوية إلى أسفل ومسندة إلى ركبتيها المضمومتين !
روع الأب إذ أدرك أن ابنته تنشج ببطء ويصدر عنها صوت ألم خافت !
فزع الأب وأمسك برأس ابنته وسألها بذعر :
" مالك يا منار "
فردت الطفلة بصوت خافت ضعيف :
" حلقي بيوجعني قوي يا بابا ! "
وهكذا لم يعد لدي السيد " عمر أي شك .. لقد أصيب هو وابنته بالتسمم !
............................
جن جنون " عمر " وجري نحو غرفته وحاول إيقاظ زوجته ولكنها كانت نائمة مثل الصخرة الهامدة ففتح الدولاب كالمجنون وتناول منه قميص وبنطلون ، أول قميص وبنطلون وقعا تحت يده ، وارتداهما وهو لا يكاد يعرف عدلتهما من قلبتهما .. وجري عائداً إلى غرفة الأولاد فوجد طفلته تتألم بصوت أعلي هذه المرة بينما أخويها ما زالا يغطان في النوم كالجراء الميتة !
حمل الأب طفلته بعد أن لفها بكبرتاية صغيرة وأخذ يصرخ محاولاً إيقاظ الأم والولدين دون فائدة .. فتركهم وهرول مغادراً الشقة حاملاً طفلته الضعيفة بين ذراعيه وأسرع نحو الشارع .. ومن رحمة الله أنه وجد الدكتور " سامي " جارهم الذي تقع عيادته على بعد شارعين من شارعهم فاتحاً عيادته وليس لديه أي زبائن .. فأسرع السيد " عمر " وأقتحم غرفة الكشف حاملاً طفلته .. فما إن رآه الدكتور " سامي " حتى هرول وحمل الطفلة منه وأرقدها على سرير الكشف وبدأ في فحصها ..
وبعد دقائق كان الدكتور قد انتهي من فحص الطفلة وفحص الأب أيضاً ولم يكن هناك شك في التشخيص .. تسمم متوسط الدرجة بسم " البوتيولزم " أحد سموم الفسيخ !
وبعد دقائق كان الدكتور " سامي " قد طلب سيارة إسعاف وذهب بنفسه مع الوالد وطفلته إلى المستشفي !
وبعد أقل من نصف ساعة كانت ابنة السيد " عمر " ، والسيد " عمر " نفسه في المستشفي يتلقيان العلاج .. ولكن الحمد لله كانت حالتهما مطمئنة ..
الغريب أن الأب حاول عدة مرات من المستشفي الاتصال بزوجته على المحمول ولكنها لم تجب عليه إطلاقا .. وظل يحاول ويحاول الاتصال بينما المصل المضاد للتسمم يتدفق في عروقه ورغم تحذيرات الطبيب له بأن يسترخي تماما أثناء عملية أخذ المصل ..
ولكن السيد " عمر " وقد خبله الفزع على بقية أفراد أسرته لم يكد ينتهي من جرعة المصل حتى غادر الفراش كالمجنون وجري بسرعة البرق والدكتور " سامي " ، الذي ظل يلازمه طوال علاجه هو وطفلته ، يلاحقه محاولاً منعه وإيقافه .. ولكنه فشل في اللحاق به وهو يجري كالغزال , لأول وآخر مرة في حياته , ليطمئن على أسرته التي لا تجيب على الهاتف رغم كل المحاولات ..
وبمجرد أن خرج من الباب الأمامي للمستشفي حتى قفز في أول سيارة تاكسي وجدها أمامه وبصوت مفزوع متهدج من فرط الرعب أملي للسائق العنوان .. ورغم رنة الفزع الواضحة في صوته إلا أن السائق طرطق أذنيه وبمنتهي البرود قال له :
" ثلاثين جنيه يا باشا " !
" ماشي .. ماشي .. اللي أنت عاوزة المهم أنطلق بآخر سرعة عندك "
وهكذا أنطلق السائق بسرعة مكوك الفضاء عابرا قلب القاهرة الكبرى ، المصاب بضيق وتصلب وتخشب الشرايين ، في زمن قياسي .. وفي خلال أقل من نصف ساعة كان قد وصل إلى أول الشارع الذي يقيم فيه بمعجزة من معجزات أحفاد بناة الأهرامات وشارع المفرد بتاعهم ..
وهناك هبط السيد " عمر " من التاكسي ليكتشف الكارثة المتوقعة جدا أنه لا يحمل مليما واحدا في جيبه
فقد نزل من بيته دون أن يحمل محفظته من فرط فزعه ولهوجته .. وقبل أن يفتح السائق فمه الجميل الصغير قاذفا سيلا من السباب البذيء في وجهه أسرع الرجل الذي يعاني خدر التسمم والمصل معا يرجوا السائق المحترم ، كما يفترض ، أن ينتظر فقط عشر دقائق ليصعد إلى شقته ويطمئن على أسرته ثم يعود إليه بالنقود التي يريدها , ولكن السائق خفيف الدم أخرج رقبته النحيفة من الشباك وصاح في وجه السيد " عمر " مثلما يصيح ديك " شهريار " كل ليلة بأعلى صوته :
" عشر دقايق ليه ليه ليييييييييه أنت رايح تجبلي الفلوس من البنك بتاعكم في سويسرا .. هما دقيقتين  ما يزيدوش دقيقة واحدة "
وقبل أن يكمل السائق موشحه الشعبي المعتبر كان السيد " عمر " قد تركه يخاطب الهواء وأخذ يجري بقوة الفزع والخوف والحب لزوجته وأولاده البغال ، بغض النظر عن كل العبر الموجودة فيهم ، نحو شقته ..
قفز السلالم في ثواني وكأنه يقفز من فوق سلم مشتعل بالنار ولأول مرة يشعر أنه يحب زوجته فعلا وأنه يحب أولاده بحق وأنهم يستحقون الحب وأنهم مهمين في حياته , وأنه لا يستطيع أن يتخيل ، مجرد أن يتخيل ، حياته بدونهم ..
وبالطبع عندما وصل إلى باب الشقة لم يجد المفتاح معه .. طبيعي جدا .. من ينسي محفظته ونقوده يجب أن ينسي مفتاح شقته وإلا يصبح متخطيا لكل الأصول والأعراف الخاصة بالمتمتعين بنعمة الزهايمر ..
وبمجرد أن فتح باب الشقة تفاجأ السيد " عمر " بأنوار الشقة مضاءة .. وفي الصالة وجد زوجته واقفة بجوار الشباك وكان منظرها عجيبا بحق .. متزينة متعطرة ناضرة كالوردة البلدي في الربيع ..
ذهل السيد " عمر " للجمال الذي حط على زوجته فجأة وأخذ يقترب منها بتؤدة وكأنه يسير في حلم فقد كانت في أجمل حالة يراها عليها منذ ليلة زواجهما , مع التجاوز طبعا واعتبارها كانت جميلة ليلة زواجهما ومع تناسي أنها كانت ترتدي قناعا من الأحمر والأخضر والبمبي تحت الطرحة ، فلما صبح الصباح وغسلت القناع ، أقصد وجهها ، وساح الطلاء  أكتشف أنه تزوج واحدة لم يراها من قبل إطلاقا ..

المهم أنه وفي غمرة نشوته التي أنسته نفسه والبنت الملقاة في المستشفي والتسمم الذي يخيم على الأسرة كالكابوس شعر السيد " عمر " فجأة بدوخة هائلة وغثيان مخيف ودارت الدنيا به وكاد يسقط على الأرض .. فتحامل على نفسه وأستند على مسند أحد مقاعد الأنتريه حتى ذهبت الدوخة وقل الغثيان .. ثم فتح عينيه ليجد نفسه واقفا في الصالة بمفرده وزوجته لا أثر لها في الصالة ولا أمام الشباك .. وهكذا أتضح للأسف ، وهذا طبيعي أيضا , أن الرؤية الرائعة لزوجته ومنظرها البديع لم تكن إلا هلوسة من جراء الدوخة والمصل اللعين ..
وفجأة خرجت الزوجة من غرفة النوم متشعثة وعيناها متورمتان ومحمرتان وتهرش شعرها بيد بينما اليد الأخرى تحمل التليفون المحمول ..
كانت تحاول وتكرر المحاولة للاتصال بزوجها الذي ذاب كفص الملح هو وابنتهما " منار " من البيت .. لقد استيقظت من النوم هي والولدين فلم تجد زوجها ولا البنت الصغيرة في البيت .. وهكذا افترضت لفرط ذكائها أن زوجها خلاها نائمة وأخذ البنت وذهب عند أمه !
وطبعا كانت هذه كارثة بالنسبة لمدام " عمر " ليس لأن زوجها ذهب وهى نائمة .. بل لأنه ذهب إلى أمه كما هداها خيالها الواسع !
وهكذا بمجرد أن رأيت وجهه أمامها حتى صرخت فيه كالوحش المفترس :
" كنت فين يا راجل أنت .. وفين البت ؟! "
وطبعا لم ينطق السيد " عمر " بكلمة فقد كانت صدمة رؤية زوجته ، إضافة إلى الدوخة والغثيان اللذين عادا مرة أخري ، يلجمان لسانه .. ولم تمهله زوجته ليرد عليها بل عاودت الصراخ بعد أن ألقت التليفون من يدها على أقرب مقعد وشمرت كميها ليتاح لها استخدام ذراعيها في عملية الردح مثلما يستخدم " هوجان " ذراعيه في المصارعة :
" بقولك كنت فييييييييين ما ترد .. بقي يا راجل يا... ( شتائم يجب حذفها إجباريا )
تخليني نايمة وتسحب البت وتروح عند أمك من غير ما تقولي .. "
وشهقت مدام " عمر " وتهيأت لمواصلة الهجوم الضاري على زوجها ولكن لفت انتباهها عدم وجود البنت مع زوجها فصرخت فيه بتوحش :
" فين البت يا راجل أنت أوعي تكون سبتها تبات عند أمك ! "
وفي هذه اللحظة خرج الولدان من الغرفة منكوشي الشعر يرتديان البيجامات ويتثئبآن كالخنازير وينظران لأبيها فرحين فيه لأنها يتعرض لتقريع وبستفة أمهما الغالية الحنون ..

...................................
في تباشير الصباح أستيقظ السيد " عمر " على ضجة هائلة في شقته .. كان لا يزال يعيش أجواء الكابوس الرهيب الذي مر به وجعله يحلم بأنه أصيب بالتسمم هو وابنته بينما أفلت الولدان وأمهما ، للأسف ، ولم يحدث لهم أي شيء ..
لذلك فقد هب من رقاده على أصداء الصوت الرهيبة وانتثر من رقاده مرة واحدة وبقوة هائلة .. كانت الغرفة مظلمة بالكامل ، فخرج إلى الصالة ليجد باب شقتهم مفتوحا على مصراعيه وزوجته وأولاده يقفون خارج الشقة في طرقة السلم بملابس النوم ..
فرك السيد " عمر " عينيه وأقترب من الباب المفتوح ليفاجأ برجال إسعاف يهبطون من الدور الأعلى حاملين أربع محفات عليها أربع أجساد ممدة موصلة إليها أكياس المحاليل ..
فزع السيد " عمر " للمنظر ولكن فزعه زاد عندما ظهر المزيد من رجال الإسعاف حاملين المزيد من المحفات !
فزغد زوجته التي كانت هي وأطفالها الثلاثة واقفين يشاهدون المنظر بسعادة ومتعة لا مبرر لها وسألها بصوت يملؤه الفزع والنعاس :
" فيه أيه يا ولية ؟! أيه اللي حصل ؟! "
فالتفتت إليه زوجته بشعرها المنكوش الذي حاولت حشره في منديل بني بعجلة ظاهرة مما أدي لبقاء أغلبه منكوشا حول المنديل فبدت أقرب لشكل الشمسية وأجابت بابتسامة عريضة ليس لها أي لزوم :
" أسكت مش العمارة كلها أتسممت من الفسيخ .. كلهم يا أخويا جالهم تسمم ونقلوهم على المستشفي ! "
ثم عادت ترقب المشهد الممتع لبضع دقائق قبل أن تحدثه من جديد قائلة :
" الحمد لله يا أخويا اللي ما حصلناش حاجة إحنا ولا العيال .. أكيد أنت جبت من عند فسخاني غير اللي جابوا كلهم من عنده .. الحمد لله يا أخويا الحمد لله كنا هنضيع في شربة مية إحنا والعيال ! "
والتقطت أنفاسها ثم سألته بإلحاح :
" ألا أنت جبت لنا الفسيخ من عند مين يا أخويا .. ها .. ها .. من عند مين ؟! "

ولم يجب السيد " عمر " على أسئلة زوجته بل أخذ ينظر لها ولأولادها بقرف لاعنا الزمن الذي أبتلاه بأسرة من الغيلان لا يؤثر فيهم شيء .. حتى ولا السموم الكيمائية نفسها !


كانت صدمة قاسية على " تيتي " .. وفاة زوجها المفاجئة الصادمة .. لم يتمخض الفحص الطبي عن أي شيء غير عادي .. فالمرحوم توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة وضغط عصبي شديد ناتج عن تعرضه لموقف شديد الصعوبة !
مرت أيام قاسية على صديقتي الأرملة وزادت حالتها النفسية سوءً يوماً بعد يوم مما اضطرني للبقاء معها حوالي شهر كامل محاولة تسليتها في أحزانها الفظيعة .. وفعلاً بدأت " تيتي " تهدأ شيئاً فشيئاً ، وفي الحقيقة أنها لم تكن حزينة على " عاصم " زوجها بقدر ما كانت حزينة على نفسها لأنها أصبحت أرملة من أرامل الحي الكثيرات اللائي تعج بهن الفلل والقصور .. ونُسيت حادثة الليلة وطويت في بحر النسيان .. ولكن ليس إلى وقت طويل .. فقد عاد الغلام المتشرد إلى الظهور ثانية !
***********
كنت أنا التي رأيته هذه المرة .. فذات ليلة صيف حارة أصابني القلق وأخذت أتقلب على فراشي غير قادرة على النوم غير راغبة فيه .. وظللت أتقلب حتى أزعجت نوم " فتحي " الذي ألتفتت لي بعينين حمراوين مجهدتين وصرخ في بغيظ :
" إذا كنت لا تريدين النوم فاتركي الغرفة ودعيني أنا أنام ! "
وفعلاً انسللت من الفراش وغادرت الغرفة وذهبت إلى غرفة أولادي لأطمئن عليهم و أتأكد أن " ميسي " لم تركل الغطاء وتوقعه على الأرض مثل كل ليلة .. وفي الغرفة وجدت طفلي نائمين في فراشيهما كالملائكة ولكن كما توقعت كانت " ميسي " بدون غطاء واحدي ساقيها مرفوعة في الهواء وكأنها تعوم .. أعدت الغطاء فوقها وأحكمت لفها به ثم هممت بمغادرة الغرفة .. عندها رأيت نوراً أزرق خافتاً ينبعث من نقطة ما وراء زجاج النافذة المغلق .. توجهت نحو النافذة وحدقت طويلاً في نقطة الضوء هذه وسرعان ما تبين لي وجه الغلام المتشرد إياه واقفاً على سطح الفيلا المقابلة لنا وسط نور أزرق خافت يحيط به .. أبتسم لي الغلام ولوح لي بيده فأنقبض قلبي وجذبت الستائر فوق النافذة وابتعدت عنها بسرعة .. ماذا يفعل الغلام فوق سطوح الفيلا في مثل هذا الوقت ؟!
بل أصلاً ماذا أوصله إلى هناك .. هل تكون صديقتي " تيتي " على حق في شكوكها ويكون هذا الولد مجرد لص ؟!
شعرت بالغثيان عندما خطرت هذه الفكرة في رأسي .. لص وكاذب ؟!
أأكون قد أخطأت في عطفي عليه !
***********
في اليوم التالي استيقظت صباحاً مفزوعة على صوت صراخ أنثوي طويل ممتد أفزعني من رقادي المتقلب .. صحوت فزعة وهرعت نحو نافذة غرفة نومي ومن هناك شاهدت مدام " حياة " ساكنة الفيلا المقابلة لنا واقفة على عتبة فيلتها تصرخ بأعلى صوتها وتلطم خديها وتحيط بها عدد من النسوة يحاولن تهدئتها دون فائدة .. هبطت إلى الدور السفلي وهناك وجدت الباب مفتوحاً وزوجي واقفاً على المدخل في حالة انزعاج كامل..سألته في قلق عما حدث فأجابني بصوت منفعل متهدج :
" أحمد " أبن السيدة " حياة " وجدوه في الصباح ميتاً فوق سطوح الفيلا ! "
***********
أنتشر الذعر في جوارحي وبدأت أشعر بشيء غريب في هذا كله .. إنها المرة الثانية التي يرتبط ظهور هذا الغلام الغريب بحادثة موت فجائية غير مبررة !
طبعاً لم أذكر شيء لأحد عما رأيته في تلك الليلة .. احتفظت بهذا السر لنفسي .. فإن أحداً لن يصدقني وقد أتسبب في إيذاء بالغ لهذا الغلام المسكين الذي لا ذنب له في شيء .. ناهيك من أن عقلي ما زال يرفض وجود أي علاقة لهذا الولد بهذه الأمور الغريبة !
ولكن ما أفزعني حقاً هو تكرار رؤيتي للولد أكثر من مرة .. وفي كل مرة كان يظهر لي من مسافة بعيدة فلا أستطيع محادثته .. كنت أشير إليه بالاقتراب كل مرة ولكنه كان يكتفي بالابتسام والتلويح لي دون أن يدنو مني .. حاولت نسيان هذا الأمر وتجنب رؤية هذا الغلام الذي صرت أخافه بقدر ما أشفق عليه .. حاولت النسيان والتجاهل ولكنه كان يظهر دائماً وفي أوقات يصعب التنبؤ بها .. وفي كل مرة كنت أراه من مبعدة دون أن نتبادل أي كلمة .. تجاهل وعي الأمر وحاولت أن أنغمس في حياتي المعتادة متناسية قلقي المتنامي من تكرار الظهور الغريب لهذا الغلام .. ولكن كان هناك أمر يشغلني جداً .. من هذا الغلام ؛ ومن أين أتي ؛ ولماذا غاب شهوراً طويلة وعاد لحينا مرة أخري ؛ وهل من المعقول أن يكون مقطوع تماماً فلا أحد ؛ أي أحد ؛ يبحث عنه طيلة هذه المدة الطويلة ؟!
وعلى فرض أنه يتيم أو لقيط أو نزيل في الأحداث هل يُعقل أن البوليس أو الأحداث أو مسئولي الملجأ يتركونه هكذا دون أن يحاولوا البحث عنه ؟!
خطرت لي فكرة اعتقدت أنها قد تساهم في حل المشكلة .. وعزمت على تنفيذها في صباح الغد دون إبطاء !
***********
في الصباح أيقظت ابنتي " ميسي " من نومها في هدوء محاولة عدم إزعاج أخيها الذي لا أريده ؛ لا هو ولا والده ؛ أن يعلما بشيء عن خطتي !
استيقظت " ميسي " عابسة وأخذت تتثاءب وتسألني عما دعاني لإزعاجها في الساعة السادسة صباحاً .. قبضت على ذراعها وقدتها إلى غرفة اللعب وهناك قلت لها :
" " ميسي " حبيبتي .. هل تذكرين الولد المتشرد الذي كان يظهر في الحي هنا منذ فترة ؟! "
فأجابتني بهزة رأس معناها نعم .. فعدت أسألها هل تستطيع تذكر ملامحه جيداً .. فقالت نعم ، وهنا طلبت منها أن ترسم لي صورة واضحة له .. كانت ابنتي بارعة في الرسم ، في الحقيقة كانت رسامة ممتازة تستطيع أن تصنع نموذجاً مدهشاً لأي شيء تقع عليه عيناها .. تعجبت " ميسي " من هذا الطلب الغريب على ريق الصبح .. ولكنها فجأة ابتسمت ابتسامة خاصة وتركتني لحظة ثم عادت تحمل في يدها ظرف ورقي أبيض وأعطتني إياه .. وعندما فتحته وجدت بداخله صورة مرسومة ملونة رائعة للصبي المتشرد .. هذه الشيطانة البارعة عرفت ما يجول في خاطري ، فحملت ريشتها الصغيرة وألوانها وصنعت نموذجاً صادقاً بالغ الجمال للولد الذي صار جزءً مهماً من عالمي وعالمها !
لم أعرف ماذا أقول لها .. فقط أقبلت على ابنتي الحبيبة وطوقتها بذراعي وطبعت قبلات حانية كثيرة على وجنتيها الجميلتين !
" لا تخافي يا " ميسي " .. لن أترك أحد يؤذي هذا الغلام المسكين "
***********
في الساعة العاشرة صباحاً توجهت نحو منزل عمتي " ليلي " وسألت على أبنها " حمدي " وكان ضابطاً في قسم مكافحة المخدرات ولا علاقة له من قريب أو بعيد بموضوع الطفل المتشرد .. ولكنه أبن عمتي و أنا أعرفه ، شهم ونبيل ورجل بحق ولا يتأخر عن أي خدمة أو طلب يطلبه منه أحد طالما كان في إمكانه ، ولو لم يكن في إمكانه فهو لن يتأخر حتى عن مساعدتك .. قدمت له صورة الولد المرسومة ورجوته بإلحاح أن يحاول معرفة أي معلومات عنه .. أبتسم " حمدي " وسألني عن سبب اهتمامي البالغ بهذا الولد الذي لا أعرف عنه حتى أسمه .. فقلت له :
" مجرد عطف وشفقة .. يا أخي ألم يعد فينا رجل رشيد !"
وعدني " حمدي " بأن يفعل قصارى جهده ليأتيني بكل المعلومات اللازمة عن هذا الولد في خلال يومين لا أكثر .. وكنت على ثقة بأنه سيفي بوعده !
***********
في نفس هذه الليلة شاهدت الغلام واقفاً بالقرب من باب الفيلا .. كانت هذه أول مرة أراه من مسافة قريبة منذ فترة طويلة .. لا أنكر أنني سررت برؤيته جداً .. وكان أخشي أن يراه " فتحي " أثناء عودته من عمله فعزمت على إدخاله إلى الفيلا وتقديم الطعام له ثم إخفاءه في أبعد مكان عن أنظار زوجي وولدي حتى الصباح .. ثم تسليمه في الصباح لأبن عمتي " حمدي " ليعثر له على ملجأ أو دار رعاية مناسبة .. اختمرت هذه الخطة في ذهني في خلال ثلاث ثواني لا أكثر .. فأسرعت نحو الغلام الواقف بالقرب من الباب الخارجي وأمسكت بيده دون كلمة وقدته إلى الداخل ، نحو المطبخ مباشرة وأجلسته إلى مائدة هناك وقدمت له عشاءً ساخناً من اللحم و البفتيك والبطاطس بالفرن ورجوته أن يأكل قدر طاقته .. أبتسم لي الغلام ولكنه لم يمد يده إلى الطعام .. تعجبت كثيراً لذلك وتعجبت أكثر لصمته وعدم تفوهه بأي كلمة .. وفي هذه اللحظة سمعت صوت جرس الباب الخارجي فأجفلت وذعرت.. كان زوجي وولداي عند جدتهما في الهرم ولم أذهب معهم لئلا تنتهي ليلتي بالنكد كالعادة .. وخشيت أن يكونوا قد عادوا مبكراً ليفسدوا على خطتي .. أسرعت بإغلاق باب المطبخ على الولد وتوجهت نحو الباب وفتحته بحذر فوجدت عمتي " ليلي " وابنها " حمدي " برفقتها .. سررت لرؤيتهما وسررت أكثر لوجود الغلام عندي لأسلمه ل" حمدي " بنفسي .. أجلستهما في الصالون وقلت ل" حمدي " أنه من حسن الحظ أن الولد الذي حدثته عنه موجود عندي الآن وسأحضره ليراه بنفسه .. علا الذهول وجه " حمدي " وقال لي باستغراب :
" عندك ؟! عندك أزاي يعني ؟!"
لم أفهم سر استغرابه وتركتهم لحظة وهرعت نحو المطبخ لأحضر الغلام .. فتحت الباب لأجد المطبخ غارقاً في الظلام والطعام موضوع على المائدة دون أن يُمس .. أما الولد فلم يكن له أثر هناك !
***********
لا أعرف ما الذي حدث بالضبط .. فقط لاحظت تغيراً كبيراً في أسلوب تعامل عمتي وولدها "حمدي " معي .. كانت عمتي تغمرني بنظرات الشك والارتياب كلما رأتني وكأنها تري في شيء ؛ أو تخشى أن تري في شيء ؛ غريب .. أما " حمدي " فقد جلس صامتاً طوال جلسته معنا أثناء زيارتهما لنا وعندما سألته عن المعلومات التي جمعها عن هذا الولد قال لي باقتضاب :
" ليس بعد .. ليس بعد يا " صفية " ! "
وصار كلما رأيته بعد ذلك وسألته نفس السؤال يردد بطريقة آلية :
" انتظري يا " صفية " .. اصبري قليلاً ! "
وانتظرت بالفعل .. انتظرت طويلاً .. طويلاً جداً دون أن يبل " حمدي " ريقي بجملة واحدة مفيدة تكشف لي عن حقيقة هذا الغلام الغريب .. الغلام الذي صار ظهوره المتكرر كابوس حياتي !
***********
ومر عام وعاد الولد للظهور أمام أبواب ونوافذ البيت كل ليلة ودائماً ما كان يمد يده لي .. في البداية ظننت أنه يستجديني أو يطلب طعاماً أو شراباً أو نقوداً مثلما أعتدت أن أعطيه .. ولكنني بعد فترة أيقنت أنه لا يريد استجدائي بل يريد أن يلفت نظري إلى موقع أو جهة ما .. والغريب أنه كلما أشار إلى موضع أو بيت تحدث فيه ؛ في الصباح التالي ؛ مباشرة كارثة محققة !
صرت أتشاءم من رؤيته والحق يقال .. كما صار سكان الحي يخشون رؤيته ويجفلون لدي مروره أمامهم ..وفي ليلة رأس السنة حدثت الكارثة التي كشفت لي عن حقيقة الغلام الذي سلب عطفي واهتمامي .. كما سلب اهتمام وكراهية كل سكان الحي العريق الراقي !
***********
في ليلة رأس السنة أقيمت في الحي عدة حفلات فاخرة دُعي إليها العشرات والعشرات من الجيران والأقارب والمسئولين الكبار والمشاهير ونجوم السينما .. بالاختصار كانت هذه الحفلات تضم كل الناس الذين قد تحلم برؤيتهم طوال عمرك .. وكانت أكبر هذه الحفلات مقامة في قصر " مصطفي علوان باشا " ؛ كما يسمونه ؛ وهو أقدم سكان الحي وأكثرهم ثراء ووجاهة ، كما أن قصره هو أكبر قصور الحي وأكثرها عراقة .. وقد دُعيت أنا وزوجي وأولادي لهذا الحفل ، فاغتبطت لذلك .. وارتديت ؛ أنا وزوجي وولدي " ممدوح " ؛ أحسن وأفخر ما لدينا من ملابس واقترضت قطعة مجوهرات ضخمة من خالتي " شويكار " ؛ يقال أنها مهربة من ممتلكات أسرة " محمد على " .. أما " ميسي " فقد رفضت الذهاب للحفل وأصرت على البقاء في الفيلا بمفردها مع الدادة ولم أفهم السبب .. ولكنني الآن ؛ الآن فقط وبعد فوات الأوان ؛ فهمت كل شيء كان يحدث حولي منذ أشهر طويلة مليئة بالقلق والعذاب والألم !
فرقعت آلاف الألعاب النارية حول وداخل أسوار القصر وانطلقت الآلات النحاسية الضخمة تعزف مارشالات عسكرية إنجليزية عتيقة إيذاناً بقدوم الباشا وزوجته .. ودخل زوج الطواويس فارهي الريش ، وكانت مدام " علوان " ترتدي فستاناً أبيض لامع وتتحلي بكمية من المجوهرات وقطع الألماس تكفي لفتح صاغة كاملة .. وكان الزوجان يسيران وسط المدعوين بخيلاء وزهو غريب وكأنهما اكتشفا فجأة أنهما بشريان في كوكب من القرود .. وكان " علوان " باشا يحيي الحضور والضيوف بهزة رأس لا أكثر ، بينما لم تتعطف المدام حتى بهذه الهزة واستكثرتها علينا .. المهم فقد جلسا في الوسط وبدأ الحفل باستعراض قدمته راقصات روسيات نحيلات لا يرتدين أكثر مما خلعن تصاحبهن موسيقي غجرية تصم الآذان .. استمرت فقرات الحفل أكثر من ثلاث ساعات كاد الملل يقتلني أثناءها ولكن في الساعة الثانية صباحاً رأيت ظلاً خافتاً فوق سطح الفيلا .. في البداية تخيلت أنني أتوهم ذلك بسبب تأثير الإضاءة الفاقعة حول وداخل القصر .. ولكنني عندما دققت النظر أكثر وأكثر تيقنت أنني أري ظلاً خافتاً يتمشى فوق سطح الفيلا وسط الأنوار الزاعقة .. حدقت طويلاً حتى كادت عيناي تخرجان من رأسي ولكنني كنت مصرة على التأكد مما أراه .. حينما بدأ الظل يتوغل نحو الداخل وبدأ يبتعد عن عيني وقفت في مكاني وشببت على أطراف قدمي محاولة متابعة هذا الظل لأقصي مدى ممكن .. أنتبه زوجي لوقوفي المفاجئ فدهش لذلك وأخذ يجذبني من كم الفستان بهوادة محاولاً عدم لفت انتباه الضيوف الآخرين .. وكانت جذباته تزداد كلما ازدادت حركاتي وطالت المسافة بيني وبين منضدتنا .. في هذه اللحظة حانت مني نظرة عابرة إلى مدام " علوان " فوجدتها تركز نظراتها مثلي على سطوح الفيلا .. ثم فجأة خفضت عينيها و رمقتني بنظرة لن أنساها ما حييت !
وفي لحظة واحدة فهمت كل شيء .. كل شيء !
أحسست برعشة غريبة تسري في كياني وانطلقت حمي مجنونة لتعربد في عروقي .. ودون تفكير انطلقت نحو " علوان " باشا في الوسط وأمسكته من رقبته وأخذت أصيح كالمجنونة :
" أمسكوه .. أمسكوه .. المجرم القاتل .. لقد قتل الولد .. قتل الولد المسكين !"
هب جميع الحضور والضيوف وعلى رأسهم زوجي يحاولون إبعادي عن الرجل الذي أصفر لونه وانتفخ وجهه وحاول بلا فائدة أن يخلص نفسه من يدي .. وفي النهاية تمكن زوجي من انتزاع ذراعي من حول رقبة " علوان " باشا ثم ألقاني على مقعد واندفع يعتذر ل" مصطفي علوان " وزوجته مردداً أنني مجنونة ومصابة بالهستيريا وأهذي دائماً وأتخيل أشياء لا وجود لها !
أخذ زوجي يردد هذه السخافات بينما صفعته زوجة " علوان " بعبارة قاسية .. فقالت له بلهجة أرستقراطية متعالية :
" اللي عنده زوجة مجنونة يغلق عليها الباب بالمفتاح ولا يحضرها معه إلى حفلات الأكابر " !
وسحبني زوجي معه بعنف وهو يذوب خجلاً وظل يدفعني ويدفعني حتى وصلنا إلى بيتنا وهناك كاد ينهال عليَّ ضرباً لولا أن يد رقيقة شاحبة برزت من الظلام وقبضت على يده في قسوة بالغة .. ثم رأيت في الظلام الرقيق وجه زوجي يشحب بصورة مخيفة وفجأة .. هوي عند قدمي .. هوى فاقد الرشد .. والحياة كذلك !
وبعدها عرفت من الذي قتل الولد المسكين بالفعل !
***********
استغرقت التحقيقات أياماً قليلة تكشفت بعدها كل الحقائق .. زوجي العزيز وهو عائد في تلك الليلة المشئومة التي أدعي فيها المرحوم " عاصم " بيه أنه رآه أثناء عودته الليلية وكاد يدهسه بسيارته .. وفعلاً لقد رآه أثناء عودته ليلاً ولكنه لم يكد يدهسه .. لأنه دهسه بالفعل .. فرمته عجلات السيارة أمام باب الفيلا .. كما أنه لم يكن بمفرده حينما وقع هذا الحادث .. بل كان معه زوجي في السيارة .. وهو ؛ زوجي العزيز الذي لا تجوز عليه إلا الرحمة ؛ هو من أشار عليه بإلقاء جثة الولد المتشرد في أي خربة تعج بالكلاب المتوحشة لتأكل جيفته ولا يتبقى أي أثر يدل عليه !
ولكن ما لم يعرفه زوجي ولا " عاصم " بيه ولا " مصطفي علوان " الذي ساعدهما بسلطته ونفوذه على الإفلات من هذه الفعلة الشنيعة .. ما لم يعرفونه جميعاً أن الولد أُلقي للكلاب المتوحشة وهو ما زال على قيد الحياة !!
***********
تركت الفيلا المشئومة واصطحبت معي أولادي إلى شقة في الزيتون في نفس العمارة التي تسكنها عمتي " ليلي " وابنها " حمدي " .. الذي كان له الفضل في الكشف عن الحقيقة .. كل الحقيقة !
حزن " ممدوح " لمفارقة الفيلا الفخمة .. أما أنا وابنتي فقد كنا سعداء بترك الحي الراقي البارد .. أما روح الغلام الطيب فلن نحزن لفراقها .. لأننا كنا واثقين أنها سترافقنا إلى أي مكان نذهب إليه .. وإلى الأبد !




إحتويني يا أمي كما إحتويتيني في بطنك تسعةأشهر
كوني بجواري ياأمي فإن جروحي لاتزال تئن
وقلبي لايزال يرتعدبين ضلوعي
أفلاأخبرتيني ياأمي أن الدنياتخفي كل هذا القبح
وأن البشريسيرون فيهابأقنعةبغيطة
أفلاعلمتيني يا أمي أن أضع لنفسي مسافةكافيةتقيني الصدمة
كنت سأتخذ حصونالقلبي تقيه مصرعه
آه يا أمي إن الحياةهي من علمتني
علمتني بعدأن زرعت بداخلي جروحاغائرةتأبي أن تندمل
علمتني بقسوتهاوغدرهاوآخزانهاوصدماتها
أيتها الحياةإذا كان تعليمك لناهكذا فإني أفضل الأمية


آه ياوطن ..

عشش عليه العنكبوت

أولادك اللى بينهشوا عرضك علن

بيهتفوا بإسم الطاغوت

ماسكين ف ايدهم جهلهم

والتانية مفتاح التابوت

*** *** ***

سلّم عليّا يا ولد

قبل امّا تلبس بدلتك

حطوا على كتافك كفن

والليلة هتكون زفّتك

اكتب تاريخك يا وطن

وبدمى لوِّن ثورتك

البيعة لحساب الكلاب

أمّا التمن .. كان ضحكتك

*** *** ***

أنا شفت دمك لطخوا بيه الحيطان

ليه علموك الموت شهيد

وبالخيانة ..عكروا بيك الميدان

مين اللى باعك يا ضنايا

جاه وكرسى؟

واللا مرسال الشيطان ؟

حزنى على ابنى اللى راح

واللا على ابنى اللى خان

*** *** ***

آه يا ولد ..

حطوا على كتافك سلاح

و ف لحظة دمك فرقوه

مابين ديابة ...

وبين كلاب اتعلمت معنى النباح

أبكى عليك واللا أزغرد

لليمامة اللى بروحك ف السما

فاردة الجناح

ياربى اشكو بلوتى

على إيد ولادى ..

عرضى ليه أصبح مُباح

29/01/2013

آه ياوطن ..


 

عشش عليه العنكبوت


 

أولادك اللى بينهشوا عرضك علن


بيهتفوا بإسم الطاغوت

ماسكين ف ايدهم جهلهم

والتانية مفتاح التابوت

*** *** ***

سلّم عليّا يا ولد

قبل امّا تلبس بدلتك

حطوا على كتافك كفن

والليلة هتكون زفّتك

اكتب تاريخك يا وطن

وبدمى لوِّن ثورتك

البيعة لحساب الكلاب

أمّا التمن .. كان ضحكتك

*** *** ***

أنا شفت دمك لطخوا بيه الحيطان

ليه علموك الموت شهيد

وبالخيانة ..عكروا بيك الميدان

مين اللى باعك يا ضنايا

جاه وكرسى؟

واللا مرسال الشيطان ؟

حزنى على ابنى اللى راح

واللا على ابنى اللى خان

*** *** ***

آه يا ولد ..

حطوا على كتافك سلاح

و ف لحظة دمك فرقوه

مابين ديابة ...

وبين كلاب اتعلمت معنى النباح

أبكى عليك واللا أزغرد

لليمامة اللى بروحك ف السما

فاردة الجناح

ياربى اشكو بلوتى

على إيد ولادى ..

عرضى ليه أصبح مُباح

29/01/2013

إلتبسنا نحن
 و ليل يدمن السهر
 يتعاطى الآرق
 نحن وحروف تربكها السطور
 تشتعل بالمعاني من
... شرر الحروف
 و لا تنطفئ
 لا تسأل عن زمن الفقد
 بل تقوس أضلاعها
 حول قلب يخفق إنتظاراإلتبسنا نحن
 

و ليل يدمن السهر
 

يتعاطى الآرق
 

نحن وحروف تربكها السطور
 

تشتعل بالمعاني من
 

... شرر الحروف
 

و لا تنطفئ
 

لا تسأل عن زمن الفقد
 

بل تقوس أضلاعها
 

حول قلب يخفق إنتظارا

موسم الفراشات 18


اي قلبٍ 
تحمله الفراشات
وجمال الكون
يرسمه الخالق
فوق الجناحات
ما اسعدها جميله 
الجميلات
تطير بين الازهار
تصاحب صفاء
الماء فوق جداول
الانهار
و تجالسكِ .
ارسلها اليكِ
بكلمات
أجوب العالم
واعود ليست
لدي مشاعر الا لكِ
كنتِ دائمـــا معي
تتساقط أورق عمري
الواحده تلو الاخري
ولا يبقي سوي دولاب
الذكريات
قراطك الذهبي
ملابسك
ضحكاتك
همسنا الحميمي
اجوب الغرفات 
ابحث عنكِ
فوق المخدع
تحت الاغطيه 
أقول ربما نامت
او تسبح فرحه
تحت ضوء الشمس
مع الفراشات
و أنسي انها كُتبت
في كشوفِ الاموات
اجلس بجوار البيت
الزجاجي
وفراشاتكِ الساحره
ممتقعه
ولونها باهت
أتشح بالسكات


شعر ... رضا عفيفي السيد السيد
19/12/2012

موسم الفراشات 18


اي قلبٍ 
تحمله الفراشات
وجمال الكون
يرسمه الخالق
فوق الجناحات
ما اسعدها جميله 
الجميلات
تطير بين الازهار
تصاحب صفاء
الماء فوق جداول
الانهار
و تجالسكِ .
ارسلها اليكِ
بكلمات
أجوب العالم
واعود ليست
لدي مشاعر الا لكِ
كنتِ دائمـــا معي
تتساقط أورق عمري
الواحده تلو الاخري
ولا يبقي سوي دولاب
الذكريات
قراطك الذهبي
ملابسك
ضحكاتك
همسنا الحميمي
اجوب الغرفات 
ابحث عنكِ
فوق المخدع
تحت الاغطيه 
أقول ربما نامت
او تسبح فرحه
تحت ضوء الشمس
مع الفراشات
و أنسي انها كُتبت
في كشوفِ الاموات
اجلس بجوار البيت
الزجاجي
وفراشاتكِ الساحره
ممتقعه
ولونها باهت
أتشح بالسكات


شعر ... رضا عفيفي السيد السيد
19/12/2012اي قلبٍ

تحمله الفراشات

وجمال الكون

يرسمه الخالق

فوق الجناحات

ما اسعدها جميله

الجميلات

تطير بين الازهار

تصاحب صفاء

الماء فوق جداول

الانهار

و تجالسكِ .

ارسلها اليكِ

بكلمات

أجوب العالم

واعود ليست

لدي مشاعر الا لكِ

كنتِ دائمـــا معي

تتساقط أورق عمري

الواحده تلو الاخري

ولا يبقي سوي دولاب

الذكريات

قراطك الذهبي

ملابسك

ضحكاتك

همسنا الحميمي

اجوب الغرفات

ابحث عنكِ

فوق المخدع

تحت الاغطيه

أقول ربما نامت

او تسبح فرحه

تحت ضوء الشمس

مع الفراشات

و أنسي انها كُتبت

في كشوفِ الاموات

اجلس بجوار البيت

الزجاجي

وفراشاتكِ الساحره

ممتقعه

ولونها باهت

أتشح بالسكات

شعر ... رضا عفيفي السيد السيد

19/12/2012


ولآ يظلمَ ربكك آحداً ♥ ،
لآيوجد إنسآن ( محرومَ )من كل شيء !
فمن حرمَ من شيءآعطيَ شيئا آخر . .
فَ الله - سبحآنهَ وٺعآلي -عدل في آلعطآء بين البشر . .
ولآ يظلمَ ربكك آحداً ♥ ،

 
كيف يقولون أن الإسلام ضد الإبداع
ويتناسون أن القرآن الكريم هو أول وأهم وأكبر درس في الإبداع ..


سأكون نقطة حبر .. ترسم مشاعري .. وأُعطيها ألوانَ .. إحساسي وقلبـي .. وأبداً لا تتلون .. بفعل الأيـام .. أو الزمان .. فأكتب وأكتب .. من بين ثنايا فؤادي .. ومن شغاف قلبي .. فأشَيِّدُ حصنا .. قوي البنيان .. من المشاعر .. ترفرف عليه .. راياتٌ من الدفءِ .. تحتويني .. بإحساس صادق .. لتفتح أمامي .. ما أوصد من أبواب .. أبث منها أبياتي .. عبر كتاباتي .. فأرسل مشاعري .. وكل أحاسيسى .. ككتاب .. أعيشها لحظات زمانى فأكونَ الأملُ لترقى الروح .. أمانا فى شُجُونْ




في الشرفة وقبل ظهور أول ضوء للصباح وكالعادة كانت تنتظره !
هذا هو موعده المفضل الذي يختاره للعودة كل ليلة .. بداية شروق الشمس واقتراب موعد استيقاظها .. وقبل أن يصحو أحد من الجيران ليكون شاهدا على عودته المختلسة !
منذ متى بدأ الأمر .. لعله منذ شهر أو شهرين فهي ليست واثقة تماما , وليست لديها إحصائيات دقيقة .. طبعا هو أدري بموعد بداية الأمر ولا ينافسه في ذلك سوي الصيدلي العجوز معدوم الضمير الذي يبيعه الأقراص المخدرة !

" ذلك اللعين .. سامحه الله .. أنا التي ربيت ابنته ثم يؤذيني في صحتي ! "
ولكن لم تلومه وهي من جلبت الإيذاء لنفسها !
...................................
قبل هذه اللحظة بعام ونصف
حينما تتزوج سيدة في الخامسة والأربعين من رجل يصغرها باثني عشر عاما ثم تتوقع منه إخلاصا ووفاءً ، إلا إذا كان نبيا ، فهي بلهاء ..
من البلاهة أن تتزوج من هي في مثل عمرها وظروفها بمن هو في مثل عمره وظروفه .. خاصة إذا كانت هي وحيدة في العالم لا أهل لها ولا أصدقاء ومحاطة بثروة هائلة تجعل طمع أي رجل فيها هو القاعدة وأي شيء عدا ذلك هو الاستثناء .. كلهم قالوا لها ذلك .. بقية أسرتها وأقربائها الأبعدون الذين يمثلون دور الخائف على مصلحتها المشفق عليها من الصدمة وهم أول الطامعون فيها !
بثيابهم الأنيقة وإكسسوارتهم البراقة الثمينة ونظرات الجشع في عيونهم التفوا حولها محاولين إقناعها بالعدول عن إتمام هذه الزيجة .. مظهرين العطف والود المزيف الذي اعتادته منهم كلما أرادوا التقرب منها أو قضم قطعة أرض من أملاكها الواسعة باسم العائلة ومشروعاتها الخيرية الوهمية ، أو التحايل عليها للحصول منها على مبلغ كبير بأي صفة وبأي حجة ممكنة .. وبطريقة ما كانت تعرف أنهم صادقون , بخلاء ، جبناء ؛ في منتهي الخسة والوضاعة , لكنهم في هذه النقطة بالذات صادقون تماما ..ولذلك سارعت بإتمام الزيجة لأنها لا تريد لهم أن يرثوها .. إنها تفضل أن تتزوج رجلا يخونها ويخدعها ثم يرثها بعد عمر يطول أو يقصر خير عندها من أن يرثها أقاربها التماسيح !
وهكذا تمت الزيجة بسرعة خارقة ودون فرح أو زفاف أو دعوات .. زيجة سريعة شبه سرية يحوطها الحب والإعجاب والخوف والطمع والرغبة في اللحاق بالقطار الذي مضي مخلفا وراءه خيطا من الدخان !
لكنها لن تنجب .. كان هذا أملها وحلمها الذي أنهار سريعا وبعد أشهر قليلة من الزواج .. لا أطفال ، لا أبناء يخرجون إلى الدنيا من رحمها .. فلا مناص لها إذن من التمسك به , فهو الوحيد الذي سيكون أنيسا لها ما تبقي من عمرها .. ولذلك سيبقي معها مهما تحملت في سبيل ذلك ومهما حاول الفرار !
ولذلك أغدقت عليه الحب والحنان والأموال .. كانت تعرف أن أهله طامعون في ثروتها وإنهم لم يقبلوا ويباركوا هذه الزيجة إلا طمعا في مالها , وكانت تخشي أن يخيب مسعاهم فيحملونه على تطليق هذه العجوز العقيم , فلم تتوان على إعطائه كل ما يريد وما يطلب من أموال دون حساب .. إذا كانت قد ضيعت عمرها من أجل تكوين هذه الثروة فلا أقل من أن تشتري سعادتها بهذه الثروة .. وإلا فقد ضاعت أجمل سنوات العمر هباء إذن ..
وحتى لو لم يطلب منها أموالا كانت تعطيه .. كانت تعطيه بصفة منتظمة نقودا كثيرة وتحثه على أن يود أهله وأخواته المتزوجات ويذهب لزيارتهم حاملا إليهم ما يقر أعينهم من لذائذ العيش وخيرات القصور ..
ونجحت هذه السياسة معهم بالفعل وخلال بضعة أشهر من الزواج امتلكتهم كلهم بما أفاضته عليهم من خيرات وبما قدمته لأبنائهم العاطلين من وظائف مدفوعة الأجر بسخاء في شركاتها وأراضيها .. لكنه هو من بدأ يتغير في النهاية !

بدأ يتغير بشكل طفيف في البداية .. مجرد تغيير بسيط في نظامه اليومي لا يكاد يذكر ومن الصعب أن يلاحظه أحد .. لكنها هي حارسته المحبة الخائفة لاحظت التغير حتى ربما قبل أن يلاحظه هو ..
ليس هناك أي معني أو قيمة لتصرف رجل يتأخر في الوصول إلى مقر عمله نصف ساعة ويتأخر في العودة إلى بيته مساء نصف ساعة أخري .. لكن بالنسبة لها كان لهذا أكثر من معني وقيمة أكبر من مجرد نصف ساعة .. فأين يقضي النصف ساعة هذه ومع من ؟!
" زحمة المواصلات يا حبيبتي .. البلد أصبحت خانقة والطرق دائما مزدحمة .. "
يقول لها ثم يضحك ضحكته الفاتنة ويكمل بتهكم : "
" عندما تتحول مصر إلى اليابان سأعود في موعدي بالضبط "
مواصلات .. أي مواصلات يا رجل ؟!
أتحسبني بلهاء ؟!
أتحسب أن امتناعي عن الزواج حتى بلوغي سن اليأس يعني أنني جاهلة بجنسكم .. أنها تعرف عن الرجال أكثر مما يعرفون هم عن أنفسهم لأنها رأتهم وهم يعملون .. والرجل لا تظهر شخصيته الحقيقية إلا في عمله !
لذلك فقد كان الأمر محسوما بالنسبة لها .. هناك امرأة أخري لا شك في ذلك !
ولكن كيف يمكنها التأكد .. والأصعب ماذا ستفعل لو تأكدت ؟!
هل تطرده من قصرها وتطلب الطلاق ؟!
هيت لك يا رجل تمهل .. ألا تريد أن ترثني بعد موتي ؟!
ألا تستطيع أن تصبر حتى أموت ؟!
كل هذا كان قبل أن تبدأ نوبات التخدير ..
لابد أنه يعمد إلى تخديرها .. وإلا فلماذا يحرص على تناول العشاء معها ومناولتها أكواب الماء والعصير بنفسه لتنام بعدها نوما عميقا كنومها أيام طفولتها الأولي !
هل هي مصادفة .. وهل من المصادفة أن يبدأ في نفس الوقت في إهمال عمله والتأخر عليه لساعات والتغيب عنه أحيانا طوال اليوم .. ألا يعلم أنها تراقبه عن كثب وأن كل ما يفعله داخل البيت أو خارجه يصلها أولا بأول ؟!
إذا كان لا يعلم فهو غبي يخشي خطره .. وإذا كان يعلم ولا يبالي فمعني ذلك أنه لم يعد يهتم باكتساب رضاها .. ماذا دهاه يا ربي ؟!
" ماذا دهاه يا ربي ؟! "
سألت السماء وهي واقفة تنتظره محاولة ألا تخرج من نطاق الحيز الداخلي المظلم من الشرفة محاذرة أن يراها إذا عاد فجأة .. ولكنه لن يعود فجأة
لن يعود إلا في تباشير الصباح حيث يكون من المفروض أن تكون تغط في النوم العميق ..
وهذا ما كان يحدث بالفعل كل ليلة .. إلا الليلة الماضية !
حين انتبهت للخدعة وخدعته بدورها وتظاهرت بشرب العصير الذي قدمه لها على مائدة العشاء .. كانت ممثلة بارعة وقد نجحت في خداعه تماما .. لدرجة أنه وأمام أجفانها المغلقة أرتدي ثيابه وهو يصفر برقة وخرج بهدوء وكأنه لا يتسلل ولا يغادر ولا يفعل شيئا خطأ .. يا له من فاجر !
فجور الجائع عندما يشبع يكون دائما أقوي من فجور ألف ثري !
عموما الليلة ستضع حدا لكل شيء .. فإذا أراد أن يسير في طريقه هذا فليسر فيه بمفرده وبأمواله الخاصة وليس بأموالها هي !
.................................
فجأة سمعت صوت سيارته وهي تقترب من أسوار القصر .. انتابتها رعشة شديدة وأحست بالماء المثلج يملأ معدتها .. تحيرت في موقفها للحظة ..
هل تبقي مكانها وتفاجئه بظهورها أمامه في الشرفة .. هل تنتظره حتى يدخل القصر وتهبط لملاقاته في البهو الرئيسي .. هل تنتظر حتى يصعد إلى غرفتهما وتصب جام غضبها عليه ؟!
تحيرت وتحيرت ثم وجدت نفسها تتجه صوب الفراش وترفع الأغطية وتدس نفسها فيه ..
نعم لتجعل المفاجأة شديدة الوقع عليه .. ستباغته عندما يراها جالسة في الفراش مستيقظة وفاتحة له عيناها الاثنتين وستستجوبه بشدة وتجعل ليلته سوداء بإذن الله !
عندئذ سمعت خطواته داخل بهو القصر .. كانت لديها حساسية شديدة لوقع خطواته وكانت قادرة على سماعها على بعد أمتار عديدة ..
وماذا بعد أن تواجهه ؟!
تطلب الطلاق ؟!
وماذا بعد الطلاق وما أسهل الحصول عليه ؟!
الوحدة والبرودة والتماسيح حولها ينتظرون الفرصة للانقضاض عليها ووراثتها ؟!
ماذا بعد الطلاق ؟َ!
أتبحث لنفسها عن رجل جديد .. أم تظل ما تبقي لها من العمر وحيدة ؟!
أليس جائزا أن تقع في يد رجل أسوأ منه .. أليس جائزا أن تندم وتتحسر .. أليس جائزا أنها تظلمه وأن ليس لشيء مما يدور في رأسها نصيب من الحقيقة ؟!
ألا يجوز أن يكون مظلوما ولا امرأة أخري ولا يحزنون في حياته ؟!
يجوز .. يجوز جدا ولم لا ؟!
لعل شدة حبها له وغيرتها عليه هي السبب في كل ما يخيل إليها .. ولعله في النهاية لا يقوم حتى بتخديرها أصلا ؟!
لعله ولعله ولعلها !!!!!!
...........................
دخل الزوج الغرفة بهدوء وبخطوات صامتة تماما ..
كان النور الساهر الصغير مضاء .. فخلع معطفه وجاكتته ورباط عنقه بهدوء ووضعهم على مقعد هناك .. ثم سار على أطراف أصابعه نحو الفراش .. حيث كانت زوجته راقدة في سبات عميق .. تأملها قليلا بملامحها الهادئة الجميلة المحببة إلى قلبه .. فطفق يتأملها مليا وتلك الابتسامة الجميلة تعلو وجهه .. ثم أنحني , وبهدوء أشد , ومحاذرا ألا يوقظها من رقادها .. طبع على جبيتها قبلة دافئة !