كانت صدمة قاسية على " تيتي " ..
وفاة زوجها المفاجئة الصادمة .. لم يتمخض الفحص الطبي عن أي شيء غير عادي ..
فالمرحوم توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة وضغط عصبي شديد ناتج عن تعرضه لموقف شديد
الصعوبة !
مرت أيام قاسية على صديقتي الأرملة وزادت
حالتها النفسية سوءً يوماً بعد يوم مما اضطرني للبقاء معها حوالي شهر كامل محاولة
تسليتها في أحزانها الفظيعة .. وفعلاً بدأت " تيتي " تهدأ شيئاً فشيئاً
، وفي الحقيقة أنها لم تكن حزينة على " عاصم " زوجها بقدر ما كانت حزينة
على نفسها لأنها أصبحت أرملة من أرامل الحي الكثيرات اللائي تعج بهن الفلل والقصور
.. ونُسيت حادثة الليلة وطويت في بحر النسيان .. ولكن ليس إلى وقت طويل .. فقد عاد
الغلام المتشرد إلى الظهور ثانية !
***********
كنت أنا التي رأيته هذه المرة .. فذات ليلة
صيف حارة أصابني القلق وأخذت أتقلب على فراشي غير قادرة على النوم غير راغبة فيه
.. وظللت أتقلب حتى أزعجت نوم " فتحي " الذي ألتفتت لي بعينين حمراوين
مجهدتين وصرخ في بغيظ :
" إذا كنت لا تريدين النوم فاتركي
الغرفة ودعيني أنا أنام ! "
وفعلاً انسللت من الفراش وغادرت الغرفة
وذهبت إلى غرفة أولادي لأطمئن عليهم و أتأكد أن " ميسي " لم تركل الغطاء
وتوقعه على الأرض مثل كل ليلة .. وفي الغرفة وجدت طفلي نائمين في فراشيهما
كالملائكة ولكن كما توقعت كانت " ميسي " بدون غطاء واحدي ساقيها مرفوعة
في الهواء وكأنها تعوم .. أعدت الغطاء فوقها وأحكمت لفها به ثم هممت بمغادرة
الغرفة .. عندها رأيت نوراً أزرق خافتاً ينبعث من نقطة ما وراء زجاج النافذة
المغلق .. توجهت نحو النافذة وحدقت طويلاً في نقطة الضوء هذه وسرعان ما تبين لي
وجه الغلام المتشرد إياه واقفاً على سطح الفيلا المقابلة لنا وسط نور أزرق خافت
يحيط به .. أبتسم لي الغلام ولوح لي بيده فأنقبض قلبي وجذبت الستائر فوق النافذة
وابتعدت عنها بسرعة .. ماذا يفعل الغلام فوق سطوح الفيلا في مثل هذا الوقت ؟!
بل أصلاً ماذا أوصله إلى هناك .. هل تكون
صديقتي " تيتي " على حق في شكوكها ويكون هذا الولد مجرد لص ؟!
شعرت بالغثيان عندما خطرت هذه الفكرة في
رأسي .. لص وكاذب ؟!
أأكون قد أخطأت في عطفي عليه !
***********
في اليوم التالي استيقظت صباحاً مفزوعة على
صوت صراخ أنثوي طويل ممتد أفزعني من رقادي المتقلب .. صحوت فزعة وهرعت نحو نافذة
غرفة نومي ومن هناك شاهدت مدام " حياة " ساكنة الفيلا المقابلة لنا
واقفة على عتبة فيلتها تصرخ بأعلى صوتها وتلطم خديها وتحيط بها عدد من النسوة
يحاولن تهدئتها دون فائدة .. هبطت إلى الدور السفلي وهناك وجدت الباب مفتوحاً
وزوجي واقفاً على المدخل في حالة انزعاج كامل..سألته في قلق عما حدث فأجابني بصوت
منفعل متهدج :
" أحمد " أبن السيدة " حياة
" وجدوه في الصباح ميتاً فوق سطوح الفيلا ! "
***********
أنتشر الذعر في جوارحي وبدأت أشعر بشيء
غريب في هذا كله .. إنها المرة الثانية التي يرتبط ظهور هذا الغلام الغريب بحادثة
موت فجائية غير مبررة !
طبعاً لم أذكر شيء لأحد عما رأيته في تلك
الليلة .. احتفظت بهذا السر لنفسي .. فإن أحداً لن يصدقني وقد أتسبب في إيذاء بالغ
لهذا الغلام المسكين الذي لا ذنب له في شيء .. ناهيك من أن عقلي ما زال يرفض وجود
أي علاقة لهذا الولد بهذه الأمور الغريبة !
ولكن ما أفزعني حقاً هو تكرار رؤيتي للولد
أكثر من مرة .. وفي كل مرة كان يظهر لي من مسافة بعيدة فلا أستطيع محادثته .. كنت
أشير إليه بالاقتراب كل مرة ولكنه كان يكتفي بالابتسام والتلويح لي دون أن يدنو
مني .. حاولت نسيان هذا الأمر وتجنب رؤية هذا الغلام الذي صرت أخافه بقدر ما أشفق
عليه .. حاولت النسيان والتجاهل ولكنه كان يظهر دائماً وفي أوقات يصعب التنبؤ بها
.. وفي كل مرة كنت أراه من مبعدة دون أن نتبادل أي كلمة .. تجاهل وعي الأمر وحاولت
أن أنغمس في حياتي المعتادة متناسية قلقي المتنامي من تكرار الظهور الغريب لهذا
الغلام .. ولكن كان هناك أمر يشغلني جداً .. من هذا الغلام ؛ ومن أين أتي ؛ ولماذا
غاب شهوراً طويلة وعاد لحينا مرة أخري ؛ وهل من المعقول أن يكون مقطوع تماماً فلا
أحد ؛ أي أحد ؛ يبحث عنه طيلة هذه المدة الطويلة ؟!
وعلى فرض أنه يتيم أو لقيط أو نزيل في
الأحداث هل يُعقل أن البوليس أو الأحداث أو مسئولي الملجأ يتركونه هكذا دون أن
يحاولوا البحث عنه ؟!
خطرت لي فكرة اعتقدت أنها قد تساهم في حل
المشكلة .. وعزمت على تنفيذها في صباح الغد دون إبطاء !
***********
في الصباح أيقظت ابنتي " ميسي "
من نومها في هدوء محاولة عدم إزعاج أخيها الذي لا أريده ؛ لا هو ولا والده ؛ أن
يعلما بشيء عن خطتي !
استيقظت " ميسي " عابسة وأخذت
تتثاءب وتسألني عما دعاني لإزعاجها في الساعة السادسة صباحاً .. قبضت على ذراعها
وقدتها إلى غرفة اللعب وهناك قلت لها :
" " ميسي " حبيبتي .. هل
تذكرين الولد المتشرد الذي كان يظهر في الحي هنا منذ فترة ؟! "
فأجابتني بهزة رأس معناها نعم .. فعدت
أسألها هل تستطيع تذكر ملامحه جيداً .. فقالت نعم ، وهنا طلبت منها أن ترسم لي
صورة واضحة له .. كانت ابنتي بارعة في الرسم ، في الحقيقة كانت رسامة ممتازة
تستطيع أن تصنع نموذجاً مدهشاً لأي شيء تقع عليه عيناها .. تعجبت " ميسي
" من هذا الطلب الغريب على ريق الصبح .. ولكنها فجأة ابتسمت ابتسامة خاصة
وتركتني لحظة ثم عادت تحمل في يدها ظرف ورقي أبيض وأعطتني إياه .. وعندما فتحته
وجدت بداخله صورة مرسومة ملونة رائعة للصبي المتشرد .. هذه الشيطانة البارعة عرفت
ما يجول في خاطري ، فحملت ريشتها الصغيرة وألوانها وصنعت نموذجاً صادقاً بالغ الجمال
للولد الذي صار جزءً مهماً من عالمي وعالمها !
لم أعرف ماذا أقول لها .. فقط أقبلت على
ابنتي الحبيبة وطوقتها بذراعي وطبعت قبلات حانية كثيرة على وجنتيها الجميلتين !
" لا تخافي يا " ميسي " ..
لن أترك أحد يؤذي هذا الغلام المسكين "
***********
في الساعة العاشرة صباحاً توجهت نحو منزل
عمتي " ليلي " وسألت على أبنها " حمدي " وكان ضابطاً في قسم
مكافحة المخدرات ولا علاقة له من قريب أو بعيد بموضوع الطفل المتشرد .. ولكنه أبن
عمتي و أنا أعرفه ، شهم ونبيل ورجل بحق ولا يتأخر عن أي خدمة أو طلب يطلبه منه أحد
طالما كان في إمكانه ، ولو لم يكن في إمكانه فهو لن يتأخر حتى عن مساعدتك .. قدمت
له صورة الولد المرسومة ورجوته بإلحاح أن يحاول معرفة أي معلومات عنه .. أبتسم
" حمدي " وسألني عن سبب اهتمامي البالغ بهذا الولد الذي لا أعرف عنه حتى
أسمه .. فقلت له :
" مجرد عطف وشفقة .. يا أخي ألم يعد
فينا رجل رشيد !"
وعدني " حمدي " بأن يفعل قصارى
جهده ليأتيني بكل المعلومات اللازمة عن هذا الولد في خلال يومين لا أكثر .. وكنت
على ثقة بأنه سيفي بوعده !
***********
في نفس هذه الليلة شاهدت الغلام واقفاً
بالقرب من باب الفيلا .. كانت هذه أول مرة أراه من مسافة قريبة منذ فترة طويلة ..
لا أنكر أنني سررت برؤيته جداً .. وكان أخشي أن يراه " فتحي " أثناء
عودته من عمله فعزمت على إدخاله إلى الفيلا وتقديم الطعام له ثم إخفاءه في أبعد
مكان عن أنظار زوجي وولدي حتى الصباح .. ثم تسليمه في الصباح لأبن عمتي "
حمدي " ليعثر له على ملجأ أو دار رعاية مناسبة .. اختمرت هذه الخطة في ذهني
في خلال ثلاث ثواني لا أكثر .. فأسرعت نحو الغلام الواقف بالقرب من الباب الخارجي
وأمسكت بيده دون كلمة وقدته إلى الداخل ، نحو المطبخ مباشرة وأجلسته إلى مائدة
هناك وقدمت له عشاءً ساخناً من اللحم و البفتيك والبطاطس بالفرن ورجوته أن يأكل
قدر طاقته .. أبتسم لي الغلام ولكنه لم يمد يده إلى الطعام .. تعجبت كثيراً لذلك
وتعجبت أكثر لصمته وعدم تفوهه بأي كلمة .. وفي هذه اللحظة سمعت صوت جرس الباب
الخارجي فأجفلت وذعرت.. كان زوجي وولداي عند جدتهما في الهرم ولم أذهب معهم لئلا
تنتهي ليلتي بالنكد كالعادة .. وخشيت أن يكونوا قد عادوا مبكراً ليفسدوا على خطتي
.. أسرعت بإغلاق باب المطبخ على الولد وتوجهت نحو الباب وفتحته بحذر فوجدت عمتي
" ليلي " وابنها " حمدي " برفقتها .. سررت لرؤيتهما وسررت
أكثر لوجود الغلام عندي لأسلمه ل" حمدي " بنفسي .. أجلستهما في الصالون
وقلت ل" حمدي " أنه من حسن الحظ أن الولد الذي حدثته عنه موجود عندي
الآن وسأحضره ليراه بنفسه .. علا الذهول وجه " حمدي " وقال لي باستغراب
:
" عندك ؟! عندك أزاي يعني ؟!"
لم أفهم سر استغرابه وتركتهم لحظة وهرعت
نحو المطبخ لأحضر الغلام .. فتحت الباب لأجد المطبخ غارقاً في الظلام والطعام
موضوع على المائدة دون أن يُمس .. أما الولد فلم يكن له أثر هناك !
***********
لا أعرف ما الذي حدث بالضبط .. فقط لاحظت
تغيراً كبيراً في أسلوب تعامل عمتي وولدها "حمدي " معي .. كانت عمتي
تغمرني بنظرات الشك والارتياب كلما رأتني وكأنها تري في شيء ؛ أو تخشى أن تري في
شيء ؛ غريب .. أما " حمدي " فقد جلس صامتاً طوال جلسته معنا أثناء
زيارتهما لنا وعندما سألته عن المعلومات التي جمعها عن هذا الولد قال لي باقتضاب :
" ليس بعد .. ليس بعد يا " صفية
" ! "
وصار كلما رأيته بعد ذلك وسألته نفس السؤال
يردد بطريقة آلية :
" انتظري يا " صفية " ..
اصبري قليلاً ! "
وانتظرت بالفعل .. انتظرت طويلاً .. طويلاً
جداً دون أن يبل " حمدي " ريقي بجملة واحدة مفيدة تكشف لي عن حقيقة هذا
الغلام الغريب .. الغلام الذي صار ظهوره المتكرر كابوس حياتي !
***********
ومر عام وعاد الولد للظهور أمام أبواب
ونوافذ البيت كل ليلة ودائماً ما كان يمد يده لي .. في البداية ظننت أنه يستجديني
أو يطلب طعاماً أو شراباً أو نقوداً مثلما أعتدت أن أعطيه .. ولكنني بعد فترة
أيقنت أنه لا يريد استجدائي بل يريد أن يلفت نظري إلى موقع أو جهة ما .. والغريب
أنه كلما أشار إلى موضع أو بيت تحدث فيه ؛ في الصباح التالي ؛ مباشرة كارثة محققة
!
صرت أتشاءم من رؤيته والحق يقال .. كما صار
سكان الحي يخشون رؤيته ويجفلون لدي مروره أمامهم ..وفي ليلة رأس السنة حدثت
الكارثة التي كشفت لي عن حقيقة الغلام الذي سلب عطفي واهتمامي .. كما سلب اهتمام
وكراهية كل سكان الحي العريق الراقي !
***********
في ليلة رأس السنة أقيمت في الحي عدة حفلات
فاخرة دُعي إليها العشرات والعشرات من الجيران والأقارب والمسئولين الكبار
والمشاهير ونجوم السينما .. بالاختصار كانت هذه الحفلات تضم كل الناس الذين قد
تحلم برؤيتهم طوال عمرك .. وكانت أكبر هذه الحفلات مقامة في قصر " مصطفي
علوان باشا " ؛ كما يسمونه ؛ وهو أقدم سكان الحي وأكثرهم ثراء ووجاهة ، كما
أن قصره هو أكبر قصور الحي وأكثرها عراقة .. وقد دُعيت أنا وزوجي وأولادي لهذا الحفل
، فاغتبطت لذلك .. وارتديت ؛ أنا وزوجي وولدي " ممدوح " ؛ أحسن وأفخر ما
لدينا من ملابس واقترضت قطعة مجوهرات ضخمة من خالتي " شويكار " ؛ يقال
أنها مهربة من ممتلكات أسرة " محمد على " .. أما " ميسي " فقد
رفضت الذهاب للحفل وأصرت على البقاء في الفيلا بمفردها مع الدادة ولم أفهم السبب
.. ولكنني الآن ؛ الآن فقط وبعد فوات الأوان ؛ فهمت كل شيء كان يحدث حولي منذ أشهر
طويلة مليئة بالقلق والعذاب والألم !
فرقعت آلاف الألعاب النارية حول وداخل
أسوار القصر وانطلقت الآلات النحاسية الضخمة تعزف مارشالات عسكرية إنجليزية عتيقة إيذاناً
بقدوم الباشا وزوجته .. ودخل زوج الطواويس فارهي الريش ، وكانت مدام " علوان
" ترتدي فستاناً أبيض لامع وتتحلي بكمية من المجوهرات وقطع الألماس تكفي لفتح
صاغة كاملة .. وكان الزوجان يسيران وسط المدعوين بخيلاء وزهو غريب وكأنهما اكتشفا
فجأة أنهما بشريان في كوكب من القرود .. وكان " علوان " باشا يحيي
الحضور والضيوف بهزة رأس لا أكثر ، بينما لم تتعطف المدام حتى بهذه الهزة
واستكثرتها علينا .. المهم فقد جلسا في الوسط وبدأ الحفل باستعراض قدمته راقصات
روسيات نحيلات لا يرتدين أكثر مما خلعن تصاحبهن موسيقي غجرية تصم الآذان .. استمرت
فقرات الحفل أكثر من ثلاث ساعات كاد الملل يقتلني أثناءها ولكن في الساعة الثانية
صباحاً رأيت ظلاً خافتاً فوق سطح الفيلا .. في البداية تخيلت أنني أتوهم ذلك بسبب
تأثير الإضاءة الفاقعة حول وداخل القصر .. ولكنني عندما دققت النظر أكثر وأكثر
تيقنت أنني أري ظلاً خافتاً يتمشى فوق سطح الفيلا وسط الأنوار الزاعقة .. حدقت
طويلاً حتى كادت عيناي تخرجان من رأسي ولكنني كنت مصرة على التأكد مما أراه ..
حينما بدأ الظل يتوغل نحو الداخل وبدأ يبتعد عن عيني وقفت في مكاني وشببت على
أطراف قدمي محاولة متابعة هذا الظل لأقصي مدى ممكن .. أنتبه زوجي لوقوفي المفاجئ
فدهش لذلك وأخذ يجذبني من كم الفستان بهوادة محاولاً عدم لفت انتباه الضيوف
الآخرين .. وكانت جذباته تزداد كلما ازدادت حركاتي وطالت المسافة بيني وبين
منضدتنا .. في هذه اللحظة حانت مني نظرة عابرة إلى مدام " علوان " فوجدتها
تركز نظراتها مثلي على سطوح الفيلا .. ثم فجأة خفضت عينيها و رمقتني بنظرة لن
أنساها ما حييت !
وفي لحظة واحدة فهمت كل شيء .. كل شيء !
أحسست برعشة غريبة تسري في كياني وانطلقت
حمي مجنونة لتعربد في عروقي .. ودون تفكير انطلقت نحو " علوان " باشا في
الوسط وأمسكته من رقبته وأخذت أصيح كالمجنونة :
" أمسكوه .. أمسكوه .. المجرم القاتل
.. لقد قتل الولد .. قتل الولد المسكين !"
هب جميع الحضور والضيوف وعلى رأسهم زوجي
يحاولون إبعادي عن الرجل الذي أصفر لونه وانتفخ وجهه وحاول بلا فائدة أن يخلص نفسه
من يدي .. وفي النهاية تمكن زوجي من انتزاع ذراعي من حول رقبة " علوان "
باشا ثم ألقاني على مقعد واندفع يعتذر ل" مصطفي علوان " وزوجته مردداً
أنني مجنونة ومصابة بالهستيريا وأهذي دائماً وأتخيل أشياء لا وجود لها !
أخذ زوجي يردد هذه السخافات بينما صفعته
زوجة " علوان " بعبارة قاسية .. فقالت له بلهجة أرستقراطية متعالية :
" اللي عنده زوجة مجنونة يغلق عليها
الباب بالمفتاح ولا يحضرها معه إلى حفلات الأكابر " !
وسحبني زوجي معه بعنف وهو يذوب خجلاً وظل
يدفعني ويدفعني حتى وصلنا إلى بيتنا وهناك كاد ينهال عليَّ ضرباً لولا أن يد رقيقة
شاحبة برزت من الظلام وقبضت على يده في قسوة بالغة .. ثم رأيت في الظلام الرقيق
وجه زوجي يشحب بصورة مخيفة وفجأة .. هوي عند قدمي .. هوى فاقد الرشد .. والحياة
كذلك !
وبعدها عرفت من الذي قتل الولد المسكين
بالفعل !
***********
استغرقت التحقيقات أياماً قليلة تكشفت
بعدها كل الحقائق .. زوجي العزيز وهو عائد في تلك الليلة المشئومة التي أدعي فيها
المرحوم " عاصم " بيه أنه رآه أثناء عودته الليلية وكاد يدهسه بسيارته
.. وفعلاً لقد رآه أثناء عودته ليلاً ولكنه لم يكد يدهسه .. لأنه دهسه بالفعل ..
فرمته عجلات السيارة أمام باب الفيلا .. كما أنه لم يكن بمفرده حينما وقع هذا
الحادث .. بل كان معه زوجي في السيارة .. وهو ؛ زوجي العزيز الذي لا تجوز عليه إلا
الرحمة ؛ هو من أشار عليه بإلقاء جثة الولد المتشرد في أي خربة تعج بالكلاب
المتوحشة لتأكل جيفته ولا يتبقى أي أثر يدل عليه !
ولكن ما لم يعرفه زوجي ولا " عاصم
" بيه ولا " مصطفي علوان " الذي ساعدهما بسلطته ونفوذه على الإفلات
من هذه الفعلة الشنيعة .. ما لم يعرفونه جميعاً أن الولد أُلقي للكلاب المتوحشة
وهو ما زال على قيد الحياة !!
***********
تركت الفيلا المشئومة واصطحبت معي أولادي
إلى شقة في الزيتون في نفس العمارة التي تسكنها عمتي " ليلي " وابنها
" حمدي " .. الذي كان له الفضل في الكشف عن الحقيقة .. كل الحقيقة !
حزن " ممدوح " لمفارقة الفيلا
الفخمة .. أما أنا وابنتي فقد كنا سعداء بترك الحي الراقي البارد .. أما روح
الغلام الطيب فلن نحزن لفراقها .. لأننا كنا واثقين أنها سترافقنا إلى أي مكان
نذهب إليه .. وإلى الأبد !