للبحث

صفحة جديدة 1

ملحوظة هامة

أكتب أسم أي منشور في البحث وستجده في الحال




في الشرفة وقبل ظهور أول ضوء للصباح وكالعادة كانت تنتظره !
هذا هو موعده المفضل الذي يختاره للعودة كل ليلة .. بداية شروق الشمس واقتراب موعد استيقاظها .. وقبل أن يصحو أحد من الجيران ليكون شاهدا على عودته المختلسة !
منذ متى بدأ الأمر .. لعله منذ شهر أو شهرين فهي ليست واثقة تماما , وليست لديها إحصائيات دقيقة .. طبعا هو أدري بموعد بداية الأمر ولا ينافسه في ذلك سوي الصيدلي العجوز معدوم الضمير الذي يبيعه الأقراص المخدرة !

" ذلك اللعين .. سامحه الله .. أنا التي ربيت ابنته ثم يؤذيني في صحتي ! "
ولكن لم تلومه وهي من جلبت الإيذاء لنفسها !
...................................
قبل هذه اللحظة بعام ونصف
حينما تتزوج سيدة في الخامسة والأربعين من رجل يصغرها باثني عشر عاما ثم تتوقع منه إخلاصا ووفاءً ، إلا إذا كان نبيا ، فهي بلهاء ..
من البلاهة أن تتزوج من هي في مثل عمرها وظروفها بمن هو في مثل عمره وظروفه .. خاصة إذا كانت هي وحيدة في العالم لا أهل لها ولا أصدقاء ومحاطة بثروة هائلة تجعل طمع أي رجل فيها هو القاعدة وأي شيء عدا ذلك هو الاستثناء .. كلهم قالوا لها ذلك .. بقية أسرتها وأقربائها الأبعدون الذين يمثلون دور الخائف على مصلحتها المشفق عليها من الصدمة وهم أول الطامعون فيها !
بثيابهم الأنيقة وإكسسوارتهم البراقة الثمينة ونظرات الجشع في عيونهم التفوا حولها محاولين إقناعها بالعدول عن إتمام هذه الزيجة .. مظهرين العطف والود المزيف الذي اعتادته منهم كلما أرادوا التقرب منها أو قضم قطعة أرض من أملاكها الواسعة باسم العائلة ومشروعاتها الخيرية الوهمية ، أو التحايل عليها للحصول منها على مبلغ كبير بأي صفة وبأي حجة ممكنة .. وبطريقة ما كانت تعرف أنهم صادقون , بخلاء ، جبناء ؛ في منتهي الخسة والوضاعة , لكنهم في هذه النقطة بالذات صادقون تماما ..ولذلك سارعت بإتمام الزيجة لأنها لا تريد لهم أن يرثوها .. إنها تفضل أن تتزوج رجلا يخونها ويخدعها ثم يرثها بعد عمر يطول أو يقصر خير عندها من أن يرثها أقاربها التماسيح !
وهكذا تمت الزيجة بسرعة خارقة ودون فرح أو زفاف أو دعوات .. زيجة سريعة شبه سرية يحوطها الحب والإعجاب والخوف والطمع والرغبة في اللحاق بالقطار الذي مضي مخلفا وراءه خيطا من الدخان !
لكنها لن تنجب .. كان هذا أملها وحلمها الذي أنهار سريعا وبعد أشهر قليلة من الزواج .. لا أطفال ، لا أبناء يخرجون إلى الدنيا من رحمها .. فلا مناص لها إذن من التمسك به , فهو الوحيد الذي سيكون أنيسا لها ما تبقي من عمرها .. ولذلك سيبقي معها مهما تحملت في سبيل ذلك ومهما حاول الفرار !
ولذلك أغدقت عليه الحب والحنان والأموال .. كانت تعرف أن أهله طامعون في ثروتها وإنهم لم يقبلوا ويباركوا هذه الزيجة إلا طمعا في مالها , وكانت تخشي أن يخيب مسعاهم فيحملونه على تطليق هذه العجوز العقيم , فلم تتوان على إعطائه كل ما يريد وما يطلب من أموال دون حساب .. إذا كانت قد ضيعت عمرها من أجل تكوين هذه الثروة فلا أقل من أن تشتري سعادتها بهذه الثروة .. وإلا فقد ضاعت أجمل سنوات العمر هباء إذن ..
وحتى لو لم يطلب منها أموالا كانت تعطيه .. كانت تعطيه بصفة منتظمة نقودا كثيرة وتحثه على أن يود أهله وأخواته المتزوجات ويذهب لزيارتهم حاملا إليهم ما يقر أعينهم من لذائذ العيش وخيرات القصور ..
ونجحت هذه السياسة معهم بالفعل وخلال بضعة أشهر من الزواج امتلكتهم كلهم بما أفاضته عليهم من خيرات وبما قدمته لأبنائهم العاطلين من وظائف مدفوعة الأجر بسخاء في شركاتها وأراضيها .. لكنه هو من بدأ يتغير في النهاية !

بدأ يتغير بشكل طفيف في البداية .. مجرد تغيير بسيط في نظامه اليومي لا يكاد يذكر ومن الصعب أن يلاحظه أحد .. لكنها هي حارسته المحبة الخائفة لاحظت التغير حتى ربما قبل أن يلاحظه هو ..
ليس هناك أي معني أو قيمة لتصرف رجل يتأخر في الوصول إلى مقر عمله نصف ساعة ويتأخر في العودة إلى بيته مساء نصف ساعة أخري .. لكن بالنسبة لها كان لهذا أكثر من معني وقيمة أكبر من مجرد نصف ساعة .. فأين يقضي النصف ساعة هذه ومع من ؟!
" زحمة المواصلات يا حبيبتي .. البلد أصبحت خانقة والطرق دائما مزدحمة .. "
يقول لها ثم يضحك ضحكته الفاتنة ويكمل بتهكم : "
" عندما تتحول مصر إلى اليابان سأعود في موعدي بالضبط "
مواصلات .. أي مواصلات يا رجل ؟!
أتحسبني بلهاء ؟!
أتحسب أن امتناعي عن الزواج حتى بلوغي سن اليأس يعني أنني جاهلة بجنسكم .. أنها تعرف عن الرجال أكثر مما يعرفون هم عن أنفسهم لأنها رأتهم وهم يعملون .. والرجل لا تظهر شخصيته الحقيقية إلا في عمله !
لذلك فقد كان الأمر محسوما بالنسبة لها .. هناك امرأة أخري لا شك في ذلك !
ولكن كيف يمكنها التأكد .. والأصعب ماذا ستفعل لو تأكدت ؟!
هل تطرده من قصرها وتطلب الطلاق ؟!
هيت لك يا رجل تمهل .. ألا تريد أن ترثني بعد موتي ؟!
ألا تستطيع أن تصبر حتى أموت ؟!
كل هذا كان قبل أن تبدأ نوبات التخدير ..
لابد أنه يعمد إلى تخديرها .. وإلا فلماذا يحرص على تناول العشاء معها ومناولتها أكواب الماء والعصير بنفسه لتنام بعدها نوما عميقا كنومها أيام طفولتها الأولي !
هل هي مصادفة .. وهل من المصادفة أن يبدأ في نفس الوقت في إهمال عمله والتأخر عليه لساعات والتغيب عنه أحيانا طوال اليوم .. ألا يعلم أنها تراقبه عن كثب وأن كل ما يفعله داخل البيت أو خارجه يصلها أولا بأول ؟!
إذا كان لا يعلم فهو غبي يخشي خطره .. وإذا كان يعلم ولا يبالي فمعني ذلك أنه لم يعد يهتم باكتساب رضاها .. ماذا دهاه يا ربي ؟!
" ماذا دهاه يا ربي ؟! "
سألت السماء وهي واقفة تنتظره محاولة ألا تخرج من نطاق الحيز الداخلي المظلم من الشرفة محاذرة أن يراها إذا عاد فجأة .. ولكنه لن يعود فجأة
لن يعود إلا في تباشير الصباح حيث يكون من المفروض أن تكون تغط في النوم العميق ..
وهذا ما كان يحدث بالفعل كل ليلة .. إلا الليلة الماضية !
حين انتبهت للخدعة وخدعته بدورها وتظاهرت بشرب العصير الذي قدمه لها على مائدة العشاء .. كانت ممثلة بارعة وقد نجحت في خداعه تماما .. لدرجة أنه وأمام أجفانها المغلقة أرتدي ثيابه وهو يصفر برقة وخرج بهدوء وكأنه لا يتسلل ولا يغادر ولا يفعل شيئا خطأ .. يا له من فاجر !
فجور الجائع عندما يشبع يكون دائما أقوي من فجور ألف ثري !
عموما الليلة ستضع حدا لكل شيء .. فإذا أراد أن يسير في طريقه هذا فليسر فيه بمفرده وبأمواله الخاصة وليس بأموالها هي !
.................................
فجأة سمعت صوت سيارته وهي تقترب من أسوار القصر .. انتابتها رعشة شديدة وأحست بالماء المثلج يملأ معدتها .. تحيرت في موقفها للحظة ..
هل تبقي مكانها وتفاجئه بظهورها أمامه في الشرفة .. هل تنتظره حتى يدخل القصر وتهبط لملاقاته في البهو الرئيسي .. هل تنتظر حتى يصعد إلى غرفتهما وتصب جام غضبها عليه ؟!
تحيرت وتحيرت ثم وجدت نفسها تتجه صوب الفراش وترفع الأغطية وتدس نفسها فيه ..
نعم لتجعل المفاجأة شديدة الوقع عليه .. ستباغته عندما يراها جالسة في الفراش مستيقظة وفاتحة له عيناها الاثنتين وستستجوبه بشدة وتجعل ليلته سوداء بإذن الله !
عندئذ سمعت خطواته داخل بهو القصر .. كانت لديها حساسية شديدة لوقع خطواته وكانت قادرة على سماعها على بعد أمتار عديدة ..
وماذا بعد أن تواجهه ؟!
تطلب الطلاق ؟!
وماذا بعد الطلاق وما أسهل الحصول عليه ؟!
الوحدة والبرودة والتماسيح حولها ينتظرون الفرصة للانقضاض عليها ووراثتها ؟!
ماذا بعد الطلاق ؟َ!
أتبحث لنفسها عن رجل جديد .. أم تظل ما تبقي لها من العمر وحيدة ؟!
أليس جائزا أن تقع في يد رجل أسوأ منه .. أليس جائزا أن تندم وتتحسر .. أليس جائزا أنها تظلمه وأن ليس لشيء مما يدور في رأسها نصيب من الحقيقة ؟!
ألا يجوز أن يكون مظلوما ولا امرأة أخري ولا يحزنون في حياته ؟!
يجوز .. يجوز جدا ولم لا ؟!
لعل شدة حبها له وغيرتها عليه هي السبب في كل ما يخيل إليها .. ولعله في النهاية لا يقوم حتى بتخديرها أصلا ؟!
لعله ولعله ولعلها !!!!!!
...........................
دخل الزوج الغرفة بهدوء وبخطوات صامتة تماما ..
كان النور الساهر الصغير مضاء .. فخلع معطفه وجاكتته ورباط عنقه بهدوء ووضعهم على مقعد هناك .. ثم سار على أطراف أصابعه نحو الفراش .. حيث كانت زوجته راقدة في سبات عميق .. تأملها قليلا بملامحها الهادئة الجميلة المحببة إلى قلبه .. فطفق يتأملها مليا وتلك الابتسامة الجميلة تعلو وجهه .. ثم أنحني , وبهدوء أشد , ومحاذرا ألا يوقظها من رقادها .. طبع على جبيتها قبلة دافئة !


أضف تعليقك